قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال11 حول موضوع (حرية الصحافة واقع الحال) مع عمر بندورو

ما تزال حرية الصحافة منظمة بظهير 21 نونبر 1958، الذي تم تعديله عدة مرات وخاصة في سنتي 1973 و2002. فإلى حدود سنة 2002، ظلت ممارسة هذه الحرية خاضعة لعدة تقييدات، تم حذفها جزئيا في تعديل سنة 2002 . وهكذا، تم إلغاء السلطة الموكولة للوزير الأول بمنع الدوريات عندما تمس الأسس المؤسساتية، السياسية أو الدينية للمملكة أو عندما يخل نشرها بالنظام العام.ونفس الأمر بالنسبة للسلطة الموكولة لوزير الداخلية لتوقيف هذه الدوريات عندما تقدم على نفس الأفعال. وقد عهد بهذه الاختصاصات للعدالة. وعلاوة على ذلك، فإن تعديلات سنة 2002 قلصت إلى حد ما بعض الغرامات والعقوبات السالبة للحرية. ومع ذلك، ظلت هذه التعديلات تحافظ أو تنص على بعض التقييدات التي تعيق ممارسة حرية الصحافة. وهكذا، يظل وزير الداخلية دائما الجهة المخول لها إصدار أمر، بقرار مبرر، يقضي بالمصادرة الإدارية لكل عدد من جريدة أو منشور دوري يمس بالنظام العام أو يمثل إساءة للملك، الأمراء و الأميرات أو يمس بالدين الإسلامي، بالنظام الملكي أو بالوحدة الترابية. و إضافة إلى ذاك، تفرض دائما عقوبات على المنشورات الدورية أو غير الأجنبية المنشورة في المغرب أو في الخارج.
وتتضمن التعديلات الجديدة أيضا مفاهيم غامضة تتيح منع أو توقيف دوريات والحكم عليها بغرامات و/ أو السجن عندما تمس “الدين الإسلامي، المؤسسة الملكية، أو الوحدة الترابية.” أو عندما تسيء للملك، الأمراء والأميرات (الفصل 41) المسألة التي تطرح هنا، هي معرفة ما نقصده بالمس بالدين الإسلامي، الوحدة الترابية الوطنية، بالمؤسسة الملكية؟ التأويلات متعددة ويمكن أن تؤدي إلى منع دوريات أو معاقبة الصحفيين الذين يطرحون الأسئلة المتعلقة بالسلطات الواسعة للملك أو مكانة الإسلام في الدولة و بدوره في شرعنة السلطة الملكية أو أيضا الأسئلة المرتبطة باللامركزية الجهوية المؤسسة على مجالس منتخبة في إطار انتخابات مباشرة وتتمتع بسلطات واسعة وببعض الاستقلالية تجاه السلطة المركزية على غرار الدول التي تعتمد نظام اللامركزية مثل اسبانيا وايطاليا. تشكل هذه المفاهيم الغامضة عوائق حقيقية أمام ممارسة حرية الصحافة، حتى ولو أن الصيغة الجديدة من النص تعهد بالعقوبات لوزارة العدل، وذلك بالنظر إلى أن هذه الوزارة لا تتمتع بعد بكامل استقلاليتها وتعاني، كما اعترف بذلك وزير العدل السابق السيد عمر عزيمان في 5 ابريل من سنة 1999، من عدة أمراض، منها الفساد، وخيانة الأمانة الخ . وفضلا عن ذلك أكد هذا الوزير على أن القضاة يتصرفون وفق التعليمات .
وعلاوة على ذلك، حمل النص الجديد (الفصل 30 المعدل) لأول مرة تعبير “قيم مقدسة”، الذي ينص على معاقبة الصحفيين الذين لا يحترمون هذه القيم. فهذا المفهوم يشمل الدين الإسلامي، المؤسسة الملكية، الوحدة الترابية، النظام العام والاحترام الواجب للملك. ورغم أن القانون حددها بدقة في المواد المتعلقة بالصحافة وبالمنشورات الأجنبية، فقد وسعته القضاء، ليشمل الصحافة والصحفيين المغاربة، وهذا ما أدى إلى تضييق أكثر لحرية الصحافة وأخضع كتابات الصحفيين للسلطة التقديرية للقاضي . وإضافة إلى ذلك، فالقانون المتعلق بمحاربة الإرهاب زاد من تقييد حرية الصحافة من خلال النص على مقتضيات غامضة تفسح المجال لتأويلات واسعة من أجل محاكمة الصحفيين و خلق رقابة ذاتية . وعلى أساس هذا القانون تم الحكم على عدة صحفيين بعقوبات مختلفة سالبة للحرية .
فإذا كان القانون لا ينص على الرقابة، فالممارسة أظهرت أن السلطات تمارسها ضد الدوريات التي ليست طيعة تجاه السلطات العمومية (لوجورنال ايبدو، تيل كيل الخ)
والمشكل الذي يظل أيضا مطروحا من قبل القانون على الصحافة يهم شروط وأحكام نشر الدوريات. ينص القانون بالنسبة لنشر كل مطبوع دوري على تقديم تصريح قبلي إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالمكان الذي يوجد فيه المقر الرئيسي للجريدة (الفصل 5). ويحرر التصريح (الذي يكون في ثلاث نظائر) كتابة ويمضيه ويقدمه مدير النشر. وعلى ممثل النيابة العامة أن يسلم عن التصريح وصلا مختوما ومؤرخا في الحال لمسؤول النشر. ويسلم له الوصل النهائي وجوبا داخل أجل أقصاه 30 يوما، وإلا جاز إصدار الجريدة (الفصل 6).النص القديم لم يكن دقيقا بخصوص طبيعة الوصل المسلم للمسؤولين عن الصحيفة ولا الأجل المحدد الذي ينبغي خلاله تسليم هذا الوصل . والمشكل الذي طرح قبل تعديلات 2002 والذي ما يزال مطروحا دائما، مرتبط بإرادة ممثل النيابة العامة في احترام النص وذلك بتسليم الوصل. ففي بعض الحالات، ترفض النيابة العامة تسليم هذه الوثيقة أو تتماطل في تسلم التصريح عندما تعتقد أن المسؤولين عن الصحيفة موضوع اشتباه من طرف السلطات. ومن حيث المبدأ، فالنيابة العامة مسؤولة قانونيا على تسليم الوصل إذا تضمن الملف كل الوثائق المنصوص عليها في القانون. يتعلق الأمر إجمالا بنمط تسجيل قانونية الإصدار. فالنيابة العامة ليس لها السلطة للتحقق من قانونية هذا الإصدار أو ذلك. وبسبب هذه المشاكل، اقترح بعض البرلمانيين خلال مناقشة مشروع التعديلات، تدابير تتيح للمعنيين إيصال التصريح بكل الوسائل القانونية .
ويستنتج من الملاحظات السابقة أن ممارسة حرية الصحافة تعاني من معيقات على مستوى النصوص كما على مستوى الممارسة، هذه المعيقات تحرف إلى حد كبير بعض المقتضيات، التي تبدو ليبرالية في القانون، وهذا ما يقتضي إعادة صياغة للقانون حتى يكون منسجما مع مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومع متطلبات المجتمع الديمقراطي.

