قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة ال12 حول موضوع (الحركة الإسلامية، الملكية وحرية الصحافة) مع عمر بروكسي

يعد هذا الموضوع مادة خصبة للتفكير في مفهوم “حرية التعبير”، الذي هو مفهوم سجالي و متعدد الدلالات في نفس الآن. لهذا فهو يقتضي أولا، ومراعاة للتدقيق، أن يستثمر من خلال السؤال-المركزي- التالي :ما هي مختلف أبعاد كلمة”دين” المقصودة بموضوعنا ؟
– هل الدين بوصفه مجموعة من المبادئ، الممارسات الروحية و السلوكات المسموح بها أو المحرمة بالنص الديني، والتي تمثل جزءا من الفضاء الاجتماعي، لكن لها كذلك امتدادات سياسية(كالإرث، تعدد الزوجات، المرأة، موقف القرآن بالنسبة إلى اليهود الخ) ؟
–
– أم انه الدين باعتباره إيديولوجيا سياسية ممثلة، من جهة من طرف التيارين الإسلاميين المعروفين أكثر (العدالة والتنمية والعدل والإحسان)، ومن جهة أخرى بواسطة الملكية، باعتبارها مؤسسة سياسية ودينية تضفي القداسة على ذاتها عبر آليات قانونية ودستورية .
– والأكثر من ذلك، فوضع أمير المؤمنين ليس فقط دينيا أو روحيا، فله أيضا تفرعات، وظائف ونتائج سياسية، قانونية، بل و إدارية.
–
وبالفعل فالملك في المغرب هو تجسيد للإسلام الرسمي، الذي يسهر وزير الشؤون الإسلامية على تنفيذه وتقويته عبر واسطة المساجد، والمجالس اللاممركزة للعلماء، وكذا الزوايا (نوع من الزوايا شبه رسمية). وقد تمت مراجعة ميزانية هذه الوزارة والرفع منها انطلاقا من سنة 2004. ويتيح وضع الملك، كرئيس للدولة، لهذا الإسلام أن يعزز ذاته و أن يشرعن ذاته على المستوى الاجتماعي، من أجل تحقيق هدف أساسي هو إضعاف الإسلام السياسي.
مسألة “المقدس”
نحن هنا أمام بعدين متمايزين للدين في المغرب، يتعين الفصل بينهما، من أجل القدرة على الأخذ بعين الاعتبار تأثيرهما على حرية الصحافة، دون الوقوع في أي خلط أو لبس.
وفي هذا الإطار، يبدو بديهيا أن هذين البعدين يحيلان، كليهما، بل وبدرجات متفاوتة، على مسألة المقدس، التي تجعل شكل شيء ما في نفس الآن”غير قابل للنقاش” و”لا يمكن مسه”.ويصبح بالتالي، التأثير على هامش عمل الصحفي في التفسير، والتعميم والتبسيط، أمرا مسلم به وواقعي.
ويعبر ذلك عن ذاته غالبا، على مستوى العمل الصحفي بحصر المعنى، وفي بعده الإجرائي والفعلي، في معجم الصحفيين بواسطة نعث- ملجأ، بسيط، وأحيانا تبسيطي، هو :”حساس”.
ويترجم لفظ”حساس” على المستوى العملي، بصيغة رقابة ذاتية لا ننتبه إليها دائما، ما دام الدين يشكل جزءا من الخطاب السوسيوسياسي الذي يعطي مصداقية ، يضفي شرعية و يسمح بالإدماج.
إن الرقابة الذاتية هي واحدة من الممارسات الخطيرة في العمل الصحفي، لأنها تمنح للصحفي راحة فكرية يصعب تحديدها وتكميمها وقياسها، لأن الدين في متخيله، يمكن أن يعتبر كعامل سلم اجتماعي متوافق حوله.
انتشار الرقابة الذاتية
لهذا الاعتبار يبدو مفيدا استكشاف هذا الموضوع، بالانطلاق من السؤال التالي: كيف يدبر الصحفي في المغرب هذين البعدين من “الديني” بدون أن يقوم بتنازلات أساسية على مستوى حرية التعبير….؟
أنطلق من تجربتي الخاصة، كصحفي في أسبوعية غير حزبية، هي”لوجورنال ايبدومادير”(تأسست هذه الصحيفة الفرانكفونية سنة 1997، وهي حائزة على جائزة CPJمن أجل حرية التعبير سنة 2003) من أجل محاولة تفسير هذه العلاقة، التي هي دقيقة ومعقدة في نفس الآن، مع هذا الذي نعتبره “حساسا”.
لكن قبل ذلك، ينبغي الاعتراف بأن الإسلام في المغرب، جزءا من ما نسميه “خطوطا حمراء”، وهو في ذلك لا يختلف عن الملكية، و عن ما نسميه ب”الوحدة الترابية”(خصوصا قضية الصحراء الغربية).
ما الذي يختفي خلف عبارة “خطوط حمراء” ؟ يتعلق الأمر بموضوعات تدفع الصحفي في المغرب إلى القيام بلحظة توقف قبل معالجتها، وقبل استكشافها. إنها تشكل إذن نوعا من القطيعة في المعالجة الصحفية وفي تصور الموضوع. ويصبح الخبر رهانا سياسيا ومجتمعيا وليس غاية في ذاته. ومخاطر تحريف العملية الإخبارية والصحفية هي، لهذا الاعتبار، كبيرة.
وبشكل ملموس أكثر، وعلى سبيلا المثال، من الممنوع تماما في المغرب النقد الصريح للإسلام، والسخرية منه من خلال رسم كاريكاتوري مثلا، هذا في حين أنه في الواقع، أردنا ذلك أم لم نرده، السخرية تمثل جزءا من حرية التعبير كما هي متعارف عليها كونيا.
مسألة الرسوم الكاريكاتورية حول محمد هي التجسيد الأكثر دلالة لهذا الواقع.لأنها كشفت عن إجماع على الاستنكار جد مقلق، بما في ذلك في صفوف الصحفيين المغاربة.
وعلى غرار الدين، فمن الممنوع كذلك السخرية من الملكية، من شخص الملك، أو أحد أفراد عائلته، في حين ذلك متاح فيما يتعلق بالوزراء. وتعتبر قدسية الملك، الذي هو في نفس الوقت رئيس الجهاز التنفيذي، حقيقة واقعية تلقي بثقلها، على عمل الصحفي المغربي. ومثال الصحفي علي المرابط، المحكوم عليه بثلاث سنوات سجنا نفاذة بسبب المس ب”الاحترام الواجب “للمؤسسة الملكية، هو في هذا السياق جد معروف، لكنه على الخصوص جد معبر.
وأخيرا، إذا كان هناك تسامح إلى حد ما، اليوم، مع الكتابات التي تعترض على ما نسميه “مغربية” الصحراء الغربية، فان هذا الموضوع يمكن أن يوظف من أجل قمع الصحفيين، كما هو الحال، مرة أخرى مع علي لمرابط، وخصوصا مع أبو بكر الجامعي، المدير السابق للوجرنال، المكره اليوم على الاغتراب.
مظاهر ما هو”ديني”
بعد هذه التوضيحات إذن، لنعد إلى بعدي الدين المشار إليهما سابقا، لأنهما يشكلان على نحو ما أساس الموضوع.
– ففيما يتعلق أولا بالدين كمجموعة من المبادئ والممارسات الروحية التي لها أحيانا امتدادات سياسية، توجد الرقابة الذاتية، ولها بعد اجتماعي. وهي بلا ريب الأكثر خطورة.
–
الرقابة الذاتية هي نتاج المجتمع، وهي تتخذ شكل ما نسميه في علم الاجتماع السياسي وفي العلوم السياسية : الضبط الاجتماعي. وتمظهراتها على مستوى العمل الصحفي، دقيقة لكن تأثيرها عميق. وبشكل ملموس أكثر، لا يتجرأ الصحفي على الذهاب بعيدا، ليس لأنه يخشى السجن أو رد فعل السلطات الرسمية، وإنما لأنه يخاف ردة فعل المجتمع، الذي يشكل طبعا، جزءا منه.
ويحضر المجتمع أمامه كبنية معقدة، لكن موحدة، محكمة ومغلقة، أحادية الجانب، لكن غير قابلة للتوقع. إنها تشمل كل مكونات ما نسميه، في سياق مطبوع بثقل المتغيرات الدينية : “الأمة”.
ويبدو لنا مفهوم”أمة” واضح بما يكفي، لأنه يحيل على لفظ”الوطن الأم”، لكنه متصور وفق المنظور الديني الاندماجي، الذي ينتشر في إطار الثقافة السياسية “الرسمية” للدولة الإسلامية الكبرى. إنه يحيل كذلك على تصور معين للوطن، لكنه تصور سلطوي و جامد، يترجم غالبا عبر “الإجماع” المفترض، والغامض، حول بعض المسائل التي تدخل في ما نسميه”الثوابت”، والتي هي: الإسلام، قضية الصحراء الغربية، الرسول، “الآداب العامة”، الشذوذ الجنسي، الخ.
يتصور الصحفي أنه إذا تجاوز “الحدود”، فسيكون معرضا لخطر أن تستبعده البنية التي تأخذ شكل أمة، وأن تجعل منه كائنا أشبه بالمصاب بالطاعون، لأنه ” ضل الطريق” و غادر قطار التوافق، بل وأحيانا الإجماع. فبقوله مثلا، في روبورتاج حول النساء المعنفات، إن القرآن يسمح للرجل بضرب المرأة، سيعرض نفسه للمخاطر المذكورة سابقا.وبقوله أيضا أن النص الديني يتعامل مع اليهود كقردة وخنازير، سيعرض ذاته لنفس المخاطر، ويمكن أحيانا أن يصل إلى أبعد من ذلك…
يوجد الصحفي إذن محروما من عدة معطيات أو معالم تفسيرية، وهذا يحكم على عمله بالتعميم والتبسيط…
يبدو هذا “الواقع” أكثر بديهية، لدرجة أن بعض الأحزاب، كالعدالة والتنمية ، يجعل من الخطاب حول الأخلاق الإسلامية، وتطابق السلوكات الاجتماعية مع المعيار الديني، خطابا يشرعن وجوده كحزب.فهو يحافظ، انطلاقا من ذلك، على الغموض، بل والتداخل بين السلوك الاجتماعي والنصيحة الدينية من أجل أن ينصب ذاته، أحيانا كحكم على السلوك الاجتماعي.
ويعزز إسلاميو حزب العدالة والتنمية الغموض والخلط القائم بين القاعدة الاجتماعية(العقلانية، ذات الماهية المواطنة والعلمانية، والمؤسسة على ضرورة احترام الآخر) والمعيار الديني (اللاعقلاني، الذي يستمد أساسه من التقديس، الوعيد والتهديد بالعقاب الإلهي والوعد كذلك بال”جزاء ” الإلهي)، وذلك بجعلهم المعيار الديني مكونا لبرنامجهم المجتمعي والسياسي.
ويتجسد الإسلام السياسي في المغرب، علاوة على حزب العدالة والتنمية، في حركة معارضة أخرى، هي العدل والإحسان . فهي المهابة أكثر من طرف السلطات المغربية، لأنها تشكك في الإسلام الرسمي وتتبنى خطابا يميل إلى نزع الشرعية عن المؤسسات السياسية و الدينية، بما فيها الملكية. لكن على عكس خطاب حزب العدالة والتنمية، الموجه أساسا ضد المجتمع، فإن خطاب العدل والإحسان، موجه ضد النظام السياسي، لأنه لا يستعمل دائما مفاهيم دينية.بل على العكس، في تقييمه للنظام السياسي والديني الرسمي، “يكيف” العدل والإحسان لغته، بتوظيف مفاهيم كونية في الغالب(ديمقراطية، حقوق الإنسان، دولة الحق، النظام الجمهوري…).
– وفيما يتعلق أخيرا بالإسلام كايديولوجيا وكأداة للفعل السياسي، فإن الملكية والتيارات الإسلامية، هما في هذا الإطار فاعلين بارزين.
–
تمثل الملكية أولا إسلاما ينعت غالبا ب”الرسمي”. يتخذ هذا الإسلام في انتشاره شكلين هما :
أ- أولا الشكل المجتمعي، بما أن الأمر يتعلق بسلوكات اجتماعية ليس لها نتائج مباشرة على السياسي مثل : الموقف الرسمي من المرأة، الفتاوى التي تشرعن هذا السلوك أو ذلك، طقوس الملكية خلال الأعياد الخ. الرقابة التي يمارسها الصحفي على عمله ليست فقط محدودة، وإنما عديمة الفائدة تقريبا. فهي تترجم على شكل لامبالاة تجاه كل ذلك. فبالنسبة للصحفي، كون الملك يقوم خلال كل عيد أضحى بالصلاة في هذا المسجد أو ذلك، أو في هذه المدينة أو تلك، فهذا الأمر ليس له سوى أهمية رمزية.
ب- ثانيا الشكل السياسي. وفي هذه الحالة، يخلق الملك، بطريقة مقصودة، خلطا بين البعد السياسي والديني( توظيف وضعه الديني من أجل تبرير قرار غير شعبي، غير عادل، أو ببساطة موضوع نزاع ).
ويجد الصحفي نفسه إذن، في مواجهة المقدس، أثناء معالجة موضوع سياسي ما. وهذا ما نسميه الخلط بين الوضعين (السياسي والديني)، بين البعدين، وبين أدوات العمل، التحليل والإخبار.فخلال محاكمة الصحفي علي لمرابط حول الرسومات الكاريكاتورية، كذلك الرسم الذي كان يتناول القضية المسماة “الحجر المقدس” ، الملك هنا هو في نفس الآن خصما وحكما، لأن الأحكام في المغرب، تصدر باسم الملك، كما تنص على ذلك المقتضيات الدستورية المغربية.
ويمارس هذا التداخل بين وضعي الملك السياسي والديني، شكلا من الرقابة القوية، المباشرة، وأحيانا العنيفة على الصحفيين.وتصدر هذه الرقابة عن الدولة، وليس عن المجتمع. فيصبح الصحفي إذن، للحظة ما، فاعلا سياسيا، ومعارضا للنظام وللمؤسسات، على حساب دوره الاجتماعي، المتمثل في الإخبار.

