كتاب البديل

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلامين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة ال13 حول موضوع (حرية الصحافة بين الدين والسياسة) مع عبد الإله باحي

إن الحديث عن حرية الصحافة يحمل بين طياته وبشكل ضمني الإشارة المضمرة إلى نقيضها، أي عدم الحرية.

لذلك أرى أن السياق الذي اختير فيه هذا الموضوع، وبهذا العنوان: " حرية الصحافة بين الدين والسياسة" يلمح إلى القيود التي من  شأن الدين والسياسة فرضها على هذه الحرية الصحافية، بمعنى آخر، إن اختيار الموضوع بهذه الحمولة يشير إلى وجود معاناة وتضييق على العمل الصحفي وتقليص هوامش عمله من طرف الدين والسياسة. عند الإجابة عن هذه الإشكالية ينبغي أن نقلبها وننظر إليها من زاوية معاكسة، بحيث يشرع لنا طرح التساؤلات التالية:

هل الصحافة أصبحت من المقدسات ؟ هل لها من حدود؟ هل لها أخلاقيات تضبطها وقواعد تحكمها؟

لنجيب عن هذه التساؤلات نذهب رأسا نتلمس الجواب في ماهية الصحافة، في وظيفتها وحقيقتها ورسالتها. إن الصحافة بمختلف أشكالها المرئية والمكتوبة والمسموعة لا تعدو، على أهميتها، أن تكون أداة ووسيلة تواصل وإخبار، أما الدين باعتباره مجمعا لمنظومة القيم للكثير من المجتمعات فهو الذي يضع لهذه الصحافة الإطار الأخلاقي، في حين تضع لها السياسة الضوابط القانونية.

لتفسير ذلك نجد أن الدين لا يسمح للصحافة من الناحية الأخلاقية بأن تنكص عن وظيفتها وتتحول إلى أدوات للسب والقذف والنيل من معتقدات الغير ونشر الأراجيف والأكاذيب وتحريف الحقائق وتزوير الوقائع، لأنه يفترض فيها الحياد والتزام الموضوعية والتجرد واحترام حق المعتقد دون استهزاء وسخرية. أما السياسة، باعتبارها تنظيم وإدارة للمجتمع ومؤسساته، بكيفية معينة ولتحقيق أهداف محددة فهي تحفظ الصحافة أن تتناقض مع رسالتها من حيث هي مجال للتعبير عن مختلف الآراء ووسيلة لتداول الأخبار ونشر الأحداث والوقائع كما هي، فتتحول إلى أدوات استقطاب إيديولوجي وتسعير فتنوي وإذكاء لروح الاختلاف والفرقة داخل المجتمع الواحد.

بطرحنا للمفهوم الأخلاقي والقانوني نكون قد بينا أن الصحافة كغيرها لا تتمتع بالحرية المطلقة، لتقول ما تشاء وتعبر كيفما تريد، بل حقل اشتغالها مسيج بضوابط تفرضها الأخلاق ويحث عليها القانون.

ومن هنا أعبر إلى التعليق عن الضجة التي أحدثتها بعض الأعمال الصحافية من خلال المس بالمقدسات الدينية عند المسلمين، سواء تلك الخارجية التي تعمدت الإساءة إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، من خلال تصويره برسوم كاريكاتورية مسيئة، أو المحلية المتعلقة بالنكت المسيئة للذات الإلهية والملائكة والرسل التي عمدت إلى نشرها إحدى المجلات الأسبوعية.

فالمثير للاستغراب والاندهاش أن تصبح السخرية من الغير حقا والاستهزاء بالمعتقدات الدينية عند الأخر حرية لا يجوز المساس بها !!

إنني أعتبر الذين يصوغون هذه الأعمال و يعملون على تبريرها تحت غطاء "حرية الصحافة" إنما يعمدون لذلك إما عن جهل أو عن تدليس وخلط للمفاهيم. إن جميع الأعراف والمواثيق والقوانين والعهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان تتضمن ما يفيد حرية المعتقد أو الحريات الدينية عند الأشخاص، فكيف يسمح البعض لنفسه ويستسيغ المس بمعتقدات الغير الدينية من خلال التهكم والتنكيت والاستهزاء؟ رغم أنها مكفولة ومحمية من قبل كل الشرائع والقوانين السماوية والوضعية؟ وفي المقابل نجده يتهم كل مستنكر لفعلته ومعارض لسلوكه بأنه عدو للحرية مناكف لها؟؟

إن هذه السخرية وهذا الاستهزاء وما يشبههما أعتبره سلوكا يمس بشكل صارخ بمعتقدات الآخرين ودينهم، ومن شأنه إلحاق ضرر بليغ بمشاعرهم الدينية والعقدية، وهذا الإضرار تأباه الشرائع ويتعارض مع الحقوق ولا تبرره ولا تجيزه الشعارات الطنانة الخداعة المرفوعة باسم  "حرية الصحافة".

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الرفض لا يعني رفض لمناقشة الديانات وغيرها من المواضيع المشابهة إذ من المسموح والمقبول بل من المطلوب تشجيع الحوارات العلمية والمناقشات الفكرية وجعلها شرطا لمقاربة أي موضوع ديني أو غير ديني مقدس أو غير مقدس.

فإنني شخصيا لا أمانع كما لا أرفض من يناقش وجود الإله أو الجدوى من الديانات أو غيرها من المواضيع الغيبية، لكن على أساس علمي كما سبق وذكرت، لأن الغاية من الحوار والنقاش الفلسفي الفكري لهذه المواضيع مقاصده وأهدافه المعرفية الصرفة.

فقدسية الإله أو الرسول أو الدين لا تعني عدم المناقشة والحوار والبحث. بحيث يمكنني أن أناقش البوذي في بوذيته كما أناقش المسلم في إسلامه واليهودي في يهوديته والمسيحي في مسيحيته. لا شيء يمنعني من ذلك. لكن أن أسمح لنفسي بالضحك والاستهزاء والتنقيص والسخرية من معتقدات البوذي أو المسلم أو غيرهما، فهذا ليس له من قصد إلا تحريك مشاعر الكراهية والحقد بين الناس وإشعال نار الفتن. وفي هذا مس صارخ بحرية الغير في اختياره لدينه ومعتقده. وعلى قدر تقديسه لمعتقده يكون الأذى لكينونته ونفسيته.

هذا من جهة أما من جهة ثانية ومما يكشف زيف الشعار ويكشف النوايا المبطنة عند جهات تحاول فرض منظومتها القيمية وإكراه الناس على اعتناق أفكارها ومبادئها، متخفية وراء لافتة "الحرية الصحافية" هو تلك الازدواجية المفضوحة والكيل بمكيالين، حيث تشهد الوقائع المعيشة ألا أحد اليوم في العالم الغربي يقدر على انتقاد الصهيونية باعتبارها إيديولوجية عنصرية، إذ أي اقتراب منها، بل حتى من دولة "إسرائيل" يعتبر صاحبه معاد للسامية، فتشن عليه حرب لا هوادة فيها، حتى ينتهي به الأمر إلى تقديم اعتذار أو تقديمه للمحاكمة.

الشاهد على ما أقول ما تعرض إليه مجموعة من المفكرين والمثقفين الغربيين من إذلال واتهام ومحاكمات عندما ما شككوا في الأعداد الحقيقية لليهود الذين تعرضوا للمحرقة ولم ينكروها بل شككوا في العدد فقط، ونجد على رأسهم الفيلسوف الفرنسي " روجي غارودي".

 أقف هنا لأتساءل كيف يجيز الضمير الغربي وتلامذته من أبناء جلدتنا الجمع بين هذين الموقفين المتناقضين؟؟ يجوز للصحافة أن تمس وتنتهك وتضر بمشاعر مئات الملايين من المومنين تحت ذريعة الحرية، في حين يمنع العلم والعلماء من مجرد تناول حادثة تاريخية بالبحث العلمي والتدقيق الإحصائي والتثبت التاريخي؟!

إن المغالاة عند البعض في توسيع مجال "الحرية الصحافية"، ولا أقول مفهومها باعتبار المفهوم لا يختلف حوله العقلاء، مع رفض كل نقد لها تذهب بها نحو التتويج على منصة المقدسات التي لا يجوز الاقتراب منها أو التطرق إليها. ومن هنا يكون هذا البعض من حيث يدري أو لا يدري يعيد إنتاج المقدس الذي نصب نفسه لمحاربته والنيل من هيبته والتنقيص من شأنه داخل الضمير الجمعي للأمة.

كما أن محاولة التمويه من خلال رفع يافطة وشعار " الحرية الصحافية" والسعي للتمترس من ورائها من اجل تحقيق أغراض الاختراق الثقافي والتشويش السياسي والبلبلة الفكرية، لا تنطلي إلا على البسطاء والعوام الذين هم غير معنيين بصراع النخب وكيفية إدارته من وراء الأستار الكولونيالية.

والخلاصة التي أختم بها هي أن تسفيه معتقدات الآخرين من خلال النكت أو الرسوم سلوك لا مكان له داخل بساتين الحرية الفيحاء، الذي ننشدها جميعا، لأنه قبيح ولا ينفث إلا ريحا نتنة تبعث على الكراهية والعنصرية والحقد.

من أجل إدراك أفضل لما يجري حاليا في المغرب، في مجال حرية الصحافة، طلبنا من الأستاذ جان بول أوجيي أن يقدم لنا دروس التجربة التاريخية الفرنسية على هذا المستوى: منجب

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى