قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال14 موضوعها (الصحافة والسلطتان السياسية والدينية دروس من التاريخ الفرنسي) مع جان بول أوجيي

ما تزال العلاقات بين وسائل الإعلام والسلطتين السياسية والدينية في بلد ديمقراطي كفرنسا، حيث أساس العقد الاجتماعي هو حرية التعبير والعلمانية، معقدة. ويتيح تطور روابطها عبر الزمن إدراكا أفضل للإشكالات الراهنة. وينبغي أن نعود إلى القرن 17 لنرى بروزا غير مسبوق للجرائد، وذالك نتيجة مفارقة للسلطة المطلقة للملك لويس الرابع عشر، الذي بلغ نظام حكمه أقصى مدى في عدم التسامح السياسي والديني. فهذه السلطة المطلقة التي سادت في وقت بدأت فيه أوربا تنفتح على فكرة الوعي الفردي، هي التي سمحت بنشأة الصحف التي ستساهم في تقويض أسس النظام القديم في فرنسا، وساهمت في انتصار حرية الرأي. وهذا المسار التاريخي الطويل الذي بدأ في القرن 17 سيقودنا إلى تحليل وضعية الصحافة في فرنسا المعاصرة في مواجهة سلطة وقوة جماعات الضغط الحالية أي الرأسمالية والقوى الدينية الجذرية، التي تطرح من جديد مصير استقلال الصحافة .
لقد جزأنا عرضنا التاريخي إلى ثلاثة أجزاء. مرحلة أولى مطبوعة باللاتسامح السياسي والديني للملكية الفرنسية، وهي وضعية فرضت على الجرائد أن تطبع في الدول الأجنبية وأن توزع سريا في فرنسا. مرحلة ثانية، تتشكل من قفزات إلى الأمام وتراجعات على الطريق الطويل الذي يقود إلى حرية التعبير، وتمتد منذ ثورة 1789 إلى صدور قانون 1881 . وأخيرا نوجه نظرتنا إلى الأخطار التي تثقل حاليا على استقلالية الصحافة المكتسبة بالكثير من التضحيات.
1- الصحافة ضد النزعة الإطلاقية واللاتسامح الديني
نشأة الصحافة الحديثة كانت متزامنة مع انتصار النزعة الإطلاقية واللاتسامح الديني. فقد قرر لويس الرابع عشر إلغاء مرسوم نانت (1685) ومنع ممارسة العقيدة البروتستانية، وذلك وفقا للمبادئ التالية: ملك واحد، عقيدة واحدة، قانون واحد. وعقب هذا القرار، اغترب 200 ألف بروتستاني فرنسي من بينهم مثقفين، وقيمين على المطابع في الدول البروتستانية الواقعة بالقرب من مملكة فرنسا مثل الأقاليم المتحدة (هولندا). فقد احتضن هذا البلد، لأنه كان قد تحرر من الوصاية الاسبانية، كل من البروتستانت الفرنسيين واليهود المعتنقين للمسيحية القادمين من شبه الجزيرة الأيبيرية، والمضطهدين هم أيضا بفعل اللاتسامح الديني. لقد أصبحت هذه الدولة، المحكومة من طرف تجار كالفينيين، ملاذا لحرية التعبير في أوربا، إذ تتيح روح التسامح التي تسود فيها للبروتستانت الفرنسيين طبع جرائدهم باللغة الفرنسية ونشر أفكارهم ليس فقط في أوساط اللاجئين وإنما أيضا في صفوف النخبة المثقفة للبلد الذي يحتضنهم. فجرائدهم تعبر الحدود بفضل شبكات سرية رغم رقابة الملكية الفرنسية ورقابة السوربون، وهي من المؤسسات التي تجسد السلطة الكاثوليكية العليا .
وكانت الصحافة المكتوبة، في الأقاليم المتحدة، في القرنين 17 و18، تتمتع بظروف للنشر جد ليبرالية بالنسبة لأوربا تلك الفترة. فهذا البلد أصبح بفعل ذلك مركز إشعاع مهما للفكر الأوربي. فالفيلسوف بيير بايلي Pierre Bayle، الذي يعتبرمن الرواد السباقين لعصر الأنوار، ومنافسه القس بيير جوريو Pierre Jurieuينشران أفكارهما بفضل الجرائد. فقد كانا معا بروتستانتيين فرنسيين لاجئين بسبب الدين. بيير بايلي يهاجم التعصب الديني، ويرافع عن التسامح الديني. فيما جوريو يهاجم النزعة الاطلاقية ويدافع عن فكرةالسلطة التعاقدية.
ومن بين الصحف الأكثر تأثيرا بين صفوف اللاجئين البروتستانت الفرنسيين، هناك جريدة ليد La Gazette de Leyde، التي تأسست سنة 1680 من طرف جون دو لا فون Jean de la Font، ولم تتوقف عن الصدور إلا في سنة 1811. وإذا كان رقم سحبها يبدو قليلا، 4200 نسخة، فيوجد في الواقع عدد من النسخ التي تتعرض”للقرصنة”. ويعتقد المؤرخون أن هذه الجريدة تقرأ كليا أو جزئيا من طرف حوالي 50 ألف إلى 100 ألف شخص. كانت لمقالاتها تهاجم المؤسسة الملكية في فرنسا، و القائمة على الحق الإلهي ولا تسامح الكنيسة الكاثوليكية.
وقامت جرائد البروتستانت الفرنسيين في القرن 18 بنشر روح الأنوار بشكل تدريجي. وكان ينشر فيها الفكر الانجلو- ساكسوني، فكر جون لوك على الخصوص الذي سيلهم مونتيسكيو عند كتابته لروح القوانين.
وقد تأسست جرائد جديدة مثل “لو ميركير دو فرانس” Le Mercure de Franceسنة 1672 والتي ستصدر حتى سنة 1825، وهي تدعم أيضا فكرة ملكية دستورية . لكن هذه الصحافة تظل سرية. لأن السلطة الملكية والسوربون تراقب الصحافة وتدينها أمام المحاكم.
ورغم هذا التضييق على الصحافة، والذي يضطرها للتوزيع والتداول تحت المعاطف داخل تراب مملكة فرنسا، فان الجرائد ساهمت في تقويض دعائم الملكية المطلقة وفي الإعداد لثورة 1789. طبعا، أسباب الثورة متعددة، لكن الجرائد تهيئ رأي النخب بنشر نماذج سياسية أخرى، مثل النموذج الانجليزي الذي أصبح نظاما برلمانيا بفضل الثورة البرتقالية (orangiste) لسنة 1688، وفيما بعد نموذج الولايات المتحدة الأمريكية التي، بالإعلان عن الاستقلال سنة 1776، تحررت ليس فقط من انجلترا وإنما أيضا من ملكها ومن كنيستها. وبفضل النزعة الطهرية البروتستانية وفكر الأنوار في القرن 18، تطورت الولايات المتحدة الأمريكية نحو الديمقراطية و فصل الكنيسة عن الدولة.
2- التراجعات والقفزات إلى الأمام على مشوار الحرية
أقرت الثورة الفرنسية في سنة 1789 حرية التعبير المعترف بها في إعلان حقوق الإنسان والمواطن . فأصبحت الجرائد تطبع وتوزع لأول مرة في واضحة النهار. فتضاعفت أعدادها بشكل متناسب مع تزايد عدد الأندية السياسية، حوالي 400 عنوانا غذت النقاش طوال سنة 1789. وظهر 1300 عنوان خلال مجموع الفترة الثورية. فكل تشكيلة سياسية ستعبر عن ذاتها منذ بداية الثورة. “صديق الملك” L’Ami du Roi هي جريدة الملكيين المتطرفين الذين يوجدون في أقصى يمين الرقعة السياسية الفرنسية، على عكس صحيفة مارا Marat : “صديق الشعب” L’Ami du Peuple التي كانت سباقة إلى الدعوة إلى إلغاء الملكية وإلى تأسيس الجمهورية الأولى. فهذه الصحيفة اليومية المكونة من 8 صفحات، ستعرف عدة توقفات بسبب جذريتها التي تقلق الثوريين الأكثر حذرا أو اعتدالا. المعتدل بريسو Brissot، أحد رؤساء مجموعة الجيرونديين Girondins، هو مسؤول عن جريدة ” الوطني الفرنسي” Patriote Français، فيما الحماسي هيبرت Hébert، الذي وجد أن روبسبيير Robespierre كان خلال مرحلة “الرعب الشديد” معتدلا أكثر من اللازم، فهو يسير جريدة الأب دوشينLe Père Duchesne…كل هذا الازدهار الذي عرفته الصحافة، لم يمنع حملات التوقيف. فعندما اشتدت الثورة افترست أبناءها قبل الأعداء.
ومصير الصحفي كامي ديسمولان Camille Desmoulinيرمز لهذا التراجع. فهو قد أعدم، هو وجريدته.
الأنظمة المحافظة التي قامت بعد الهيجان الثوري لتجنب عودة الفتنة الشعبية التي ينشطها بباريس “الصان كيلوت”، حاولت منع حرية التعبير. أقام نابليون الرقابة القبلية على الصحافة سنة 1803 وعلى الكتب سنة 1810. إقرار هذه الرقابة تم أيضا مع قوانين سير لسنة 1819 (Serre) والتي أصدرتها الملكية المستعرشة (La Restauration) . هذا وينص قانون الرقابة الصادر في 17 ماي على أن”كل مس بالأخلاق العامة والدينية، أو بالسلوكات الحميدة (…) سيعاقب عليه بالسجن من شهر إلى سنة، وبغرامة مالية من 16 إلى 500 فرنك”
الكثير من الفرنسيين لم يعودوا يقبلون المس بحرية التعبير. قرارات شارل العاشر حول الصحافة أطلقت شرارة ثورة يوليوز 1830. وقد أصدر الملك بالفعل، في إطار مواجهته للمعارضة المتزايدة، يوم 25 يوليوز أربعة قرارات، تعلق حرية رأي الجرائد. لكن لم تقبل هذه الجرائد الخضوع واستمرت في الصدور و واصلت الدعوة للمقاومة ضد شارل العاشر. فكانت وراء إطلاق الأيام الثورية الثلاثة المجيدة، التي سمحت بانتصار الملكية البورجوازية جدا في يوليوزمن نفس السنة.
وحتى لو كان النظام الجديد أكثر ليبرالية، فإن ملك الفرنسيين لويس فيليب لم يريد منح حرية كبيرة جدا للصحافة، التي تهدد بتقويض دعائم سلطته. ويمكن محاكمة الصحفيين عند تعرضهم لشخص الملك وعند حثهم على الثورة، ولدى إهانتهم أو سبهم للموظفين الممسكين بالسلطة العمومية. وفي مواجهة هذه الرقابة لم تستطع العديد من الجرائد الاستمرار. فقد اختفت صحف مثل الكاريكاتير La Caricature الشعبي Le Populaire، المصلح Le Réformateur، والمنبر La Tribune
وقد أعاد ثوريو سنة 1848 الذين أعلنوا الجمهورية الثانية، حرية الصحافة بفضل قانون 4 مارس 1848 الذي أصدرته الحكومة المؤقتة. فتضاعفت الجرائد كما في زمن ثورة 1789. انه الربيع الثاني للصحافة. لكن هذا الانفراج دام شهرين فقط. ويمثل قمع الثورة العمالية في يونيو 1848، التي تكلف بسحقها وزير الحرب، الجنرال كافينياك Cavaignac، منعطفا محافظا لا يخدم كثيرا حرية الصحافة. إن تعيين كافينياك هذا على رأس الحكومة، كان من نتائجه سلسلة من القوانين التي تم التصويت عليها ما بين يوليوز1848 و يوليوز 1850، وهي تعيد تقرير الكفالة والتوقيع الإجباري للمقالات…. بهدف وحيد هو الضبط والتحكم في هيئات تحريرالجرائد.
وأنهى الإمبراطور نابليون الثالث هذا المسار القمعي، فحتى ولو لم تتم الإشارة في دستور 1852 للصحافة بشكل صريح ولكن سيتحكم فيها بسرعة بمراسيم 17 و23 فبراير 1852. ومنذئذ لم يعد من الممكن بالنسبة لأي صحيفة أن تتأسس بدون ترخيص صريح من الحكومة . وعلى كل جريدة يومية أن تسدد كفالة . كما فرض رسم تنبربقيمة 6 سنتيمات للعدد الواحد، وجنح الصحافة أصبحت تحال على المحاكم الجنحية . وكل محاكمتين خلال أقل من سنتين تؤدي إلى منع الصحيفة. والسلاح الأكثر مكرا ضمن هذه المراسيم هو التنبيه. فالتنبيه الثاني يعني تعليق الصحيفة لمدة ما. وفي حالة العودة إلى ارتكاب المخالفة تمنع نهائيا. ومن نتائج تطبيق هذه المراسيم تقلص عدد جرائد الأخبار العامة.
ورغم مراقبة الصحافة من طرف وزارة الأمن بالنسبة لباريس أو من طرف المحافظين بالنسبة للمقاطعات، فقد واصلت تطورها. ففي سنة 1852، كان هناك 14 جريدة يومية سياسية و200 ألف مشترك في باريس. لكن غالبية الجرائد كانت ممولة من طرف نظام بونابارت. نذكر منها “المرشد” Le Moniteur، التي هي الجريدة الرسمية للإمبراطورية، و”الدستور” Le Constitutionnel و”البلد” Le Pays. وحدهما “القرن” Le siècle “الصحافة”La Presse، يبديان معارضة محتشمة. وفي المقابل، الصحف الصغرى، مثل “الصحيفة الصغيرة” Le Petit Journal لصاحبها “مويز ميلو ” Moïse Millaud، والتي تأسست سنة 1863 أو “الفيغارو”Le Figaro، فهي جرائد ميالة أكثر للنقد. فالفيغارو التي تأسست سنة 1826 أصبحت مع الوقت الجريدة اليومية الأكثر مقروئية، فقد بلغت رقم 15 ألف مشترك و55 ألف قارئ للعدد في نهاية سنة 1866.
الصحف الجمهورية، مثل “الشارع” La Rue التي تأسست سنة 1867 من طرف جيل فاليJules Vallès، عرفت نجاحا أيضا، لكن منع بيعها للعموم، وتوقيف العددين 27 و34 ، وسجن مديرها، هي من أهم الأسباب التي أدت إلى توقف هذه الجريدة عن الصدور. جريدة جمهورية ثانية هي، “المشكاة” La Lanterne لروشفور Rochefort، رأت النور سنة 1868، لكن انطلاقا من العدد 11، كانت هيئة التحرير مجبرة على المنفى في بروكسيل. ونسخ الصحيفة تجتاز منذئذ الجمارك باستعمال أشكال تنكر مختلفة، خصوصا منتوجات من الجبس أو الأجور تحمل صورة نابليون الثالث.
وفي سنة 1870 انهارت الإمبراطورية الثانية. لكن حكومة “النظام الأخلاقي”، الملكي والكاثوليكي، قامت بكل شيء من أجل تقييد حرية الصحافة. فقد أعادت تقرير نظام الكفالات، وجعلت الورق الموجه للصحف يخضع لرسوم مضاعفة، وضاعفت من تكاليف البريد…بل كان الجيش مطالبا بالتحكيم في حالة النزاع مع هيئة التحرير. وقد كانت نتائج ذلك على مستوى الصحافة جسيمة، حيث منعت 28 جريدة جمهورية، و وعلقت 28 أخرى، وحرمت 173 من البيع في الشارع.
وقد أتاح انتصار الجمهوريين في الانتخابات التشريعية سنة 1876، للصحافة أخيرا أن تكون حرة. فقانون 29 يوليوز من سنة 1881 ألغى الكفالة وأقر بذلك استقلالية كاملة للصحفيين. فعرفت الصحافة تطورا مهما سنة 1867. كانت هناك 78 جريدة يومية، ذات سحب يصل إلى 963 ألف نسخة، عشر سنوات بعد ذلك، بلغ عدد الجرائد 250 يومية، بمعدل سحب يصل إلى مليونين و750 ألف نسخة.
3- إشكالات راهنة
ظل قانون 29 يوليوز من سنة1881، الذي يدخل ضمن النصوص المؤسسة للجمهورية الثالثة، غير قابل للمس إلى حدود سنة1940. النظام السلطوي للماريشال بيتان Pétainقوض دعائم حرية الصحافة، لكن نظامه، سقط بفعل انتصار المقاومة الفرنسية والحلفاء. وعند التحرير تم سرى القانون 1881، الذي ما يزال مطبقا إلى اليوم.
هناك القليل من جنح الصحافة. وحده التحريض المباشر على الجرائم والإساءات، دعوة الجيش للعصيان، التشنيع بالحكام الأجانب، الإساءة لرئيس الجمهورية، السب أوالتشنيع بأفراد خواص يمكن أن يعتبروا موضوع متابعات قضائية. هذا و لم تعد المؤسسات، العائلة، الملكية، المقدسات الدينية و الأخلاق محمية بقوة القانون. وفي سنة 1893 وسنة 1894، كانت هناك قوانين “آثمة” تتيح متابعة الآراء الفوضوية. فقد تم التصويت عليها تحت وقع الانفعال الناتج عن عدة اعتداءات. لكنها لا تعيد النظر كلية في حرية التعبير.
إن الصحفيين لا يعرفون إذن إلا قليلا من القيود . المشكل هو التشنيع والسب الشخصيين اللذين في الواقع لا يخضعان للعقاب. فيمكن للصحافة أن تكون عنيفة في هذه الكتابات ضد شخص أو ضد جماعة من الأشخاص. قضية دريفيس التي انفجرت سنة 1897 أشعلت في الصحافة الوطنية، في جريدة “الكلام الحر” La Libre Parole لدريمون، أو في الصحافة الكاثوليكية، (“الصليب” La Croix)، حملة حقد معادية للسامية. وستقود الجرائد التي تعتبر وريثة لهذه الإيديولوجية، بين الحربين العالميتين، حملة تشنيعة و منهجية ضد وزير من أصل يهودي هو روجي سالينكرو Roger Salengro، ودفعته للانتحار.
اليوم حماية الأفراد مضمونة أكثر لهذه. لكن حدث منعطف في سنوات التسعينيات. حيث تم إقرار سلسلة من القوانين ذات الارتباط بالذاكرة. فقانون كايسو Gayssotالذي يدين نفي المحرقة التي تعرض لها اليهود، هو أولها. فهذا التطور القانوني يضع أيضا مشكل احترام المعتقدات الدينية. وعادت مسألة التجديف لتطفو على سطح الأحداث في فرنسا نتيجة قضية الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد، المنشورة من طرف الجريدة الساخرة “شارلي ايبدو” Charlie Hebdo . أصحاب الشكوى الذين رفعوا دعوة قضائية ضد الجريدة من أجل “السب العمومي تجاه جماعة من الأشخاص بسبب دينهم” لم تحكم المحكمة لصالحهم . وحتى لو كان استطلاع رأي الساكنة الفرنسية، يكشف في الغالب عن توجه عام مؤيد لقانون يحارب التجديف، فهو يرفض الدعاوي المسجلة من طرف السلطات الدينية.
إن خطر هذه القوانين الجديدة، في حالة ما إذا تضاعفت، ستطرح مصير حرية التعبير في مواجهة الجماعات الإثنية أو الدينية التي يمكن أن تصبح مطلبية أكثر فأكثر.
لكن يوجد تهديد آخر يتهدد حرية الصحافة، إنه النفوذ المتزايد للشركات الرأسمالية الكبرى. المجموعة الصحفية الأولى التي تشكلت في فرنسا هي مجموعة هيرسان Hersant. لكن عند وفاة مؤسسها، روبير هيرسان سنة 1996، تم حلها لفائدة رجل الصناعة سيرج داسو Serge Dassault. فهذا الأخير اشترى “الاكسبريس” L’Express، “الانتشار “L’Expansion والفيغارو Le Figaro… وتملك هذه المجموعة اليوم أكثر من 70 عنوانا. منافستها مجموعة لاكاردير Lagardère اشترت اليومية الاشتراكية البروفانسال Le Provençal، ومنافسها اليميني “الميريديونال” Le Méridional. وأصبح مساهما أيضا في “لوموند” Monde. و في سنة 2005 أصبح إدوارد روتشيلد مساهما أساسيا في “ليبراسيون” Libération. وقد فتحت ” لوموند” عندما كانت تحت إدارة جون ماري كولومباني ، رأسمالها، وأصبحت على رأس مجموعة صحفية. وتراقب “لوموند” “ميدي ليبر” Midi Libre، و”لوكوريي انترناسيونال” Le Courrier international، وإصدارات مجموعة الحياة الكاثوليكية، وخصوصا مجلة “تيليراما” Télérama.
ويهدد هذا التركز بين أيدي شركات رأسمالية بإفقاد هيئات التحرير استقلاليتها . ويتفاقم هذا التهديد بأزمة الجرائد اليومية الخاصة بالإعلام العام . حاليا تحتل فرنسا فقط الرتبة 31 عالميا على مستوى نشر اليوميات، بمعدل 167 نسخة لألف مواطن . ويفسر ذلك بشيخوخة قاعدة القراء، التراجع في عقود الإشهار، منافسة الجرائد المجانية ، القنوات التلفزيونية، الانترنيت. وهكذا فما يفتأ يتقلص رقم معاملات الجرائد اليومية ، ويتقلص معه عدد هذه الجرائد. فقد كانت هناك 34 جريدة سنة 1945، ولم تعد سوى 6 اليوم . بدأت الجرائد الجهوية تضعف هي الأخرى، حتى وإن كانت تقاوم بشكل أفضل. حيث كانت تبلغ سنة1945 حوالي 175، لكنها اليوم لا تتجاوز 60 جريدة ، بعدد نسخ يصل 6 ملايين.
الصحافة المكتوبة الوحيدة التي تعرف تطورا، هي صحافة المجلات. اليوم (2007) هناك 2500 دورية، مقابل 659 فقط سنة 2004. لكن مجلات النيوز هي المجلات الوحيدة المختصة في الأخبار العامة وهي قليلة العدد ، والعدد الإجمالي للنسخ يميل إلى التقلص .
4- على سبيل الخاتمة
قامت الجرائد بتقويض أسس السلطات السياسية والدينية لفرنسا النظام القديم. فالأنظمة المحافظة التي تعاقبت طوال القرن 19 أدركت جيدا المخاطر التي يمثلها، بالنسبة لسلطتها، وجود صحافة حرة. فقد قامت بكل شيء من أجل الحد من حرية التعبير. صحافة الأخبار العامة كانت المنارة الموجهة للنضال من أجل الحريات، وكانت أساسا للديمقراطية الليبرالية. اليوم، في هذا السياق الذي تتميز فيه الصحافة المكتوبة الخاصة بالأخبار العامة بهشاشة كبيرة، يظهر إذن أن هناك خطران أساسيان يتهددان حرية الصحافة هما : مزايدات جماعات الضغط الإيديولوجية والدينية، ثم تركز الصحافة بين أيدي بعض الشركات المرتبطة في الغالب بمجموعات رأسمالية. ويبقى في الأخير أن استمرار صحافة الإخبار المستقلة هي الضمانة الأقوى لمستقبل الديمقراطية.

