قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال19 موضوعها (الدولة ومسألة الحوار مع معتقلي \”السلفية الجهادية\” بالمغرب) مع سليم حميمنات

يقصد بمعتقلي “السلفية الجهادية” مختلف الحساسيات السلفية التي تمت محاكمة أعضائها إبان الحملة الأمنية الذي أعقبت أحداث 16 ماي 2003. فالأمر يتعلق بخليط من الخلايا و المجموعات الإسلامية التي يتزعمها شيوخ و رموز اشتهر جلهم في السنين الأخيرة من خلال فتاواهم التكفيرية و خطبهم المتعاطفة مع الجهاديين في كل أنحاء العالم، خاصة تنظيم القاعدة و زعيمها أسامة بن لادن، كما اشتهروا أيضا بخرجاتهم الإعلامية المثيرة على صفحات بعض الجرائد المستقلة، و التي جعلت البعض يعتبرهم كرموز تمثل مجموعات سلفية معينة، كما هو الشأن بالنسبة لمحمد الفيزازي (جمعية أهل السنة و الجماعة)، الميلودي زكرياء (جماعة الصراط المستقيم)، يوسف فكري (الهجرة و التكفير)، زكريا بوغرارة (الجماعة الإسلامية بالمغرب)، حسن الحطاب (أنصار المهدي)، محمد النكاوي (حركة المجاهدين المغاربة)، حميد مرزوك الملقب بأبي الزبير المغربي (جماعة التوحيد و الجهاد)، علي العلام ( الناطق باسم السلفية الحركية بالمغرب الأقصى)…الخ، بالإضافة إلى الشيخين حسن الكتاني و أبي حفص الملقب بعبد الوهاب الرفيقي اللذين يقدمان، إعلاميا على الأقل، باعتبارهما من الرموز الفكرية المنظّرة لتيار “السلفية الجهادية”.
و الجدير بالذكر أن جل نشطاء و ممثلي هذا التيار يرفضون تسمية “السلفية الجهادية” باعتبارها مجرد تعبير إعلامي لا يعكس هوية هذا التيار، بل و يعتبرون بأن لا وجود لها على الإطلاق على أرض الواقع. و عوضا عنها، فهم يفضلون تعبير “أهل السنة و الجماعة” أو “معتقلي الرأي و العقيدة” بالنسبة للأفراد المعتقلين داخل السجون.
إن الحديث عن موضوع الحوار بين الدولة و معتقلي “السلفية الجهادية” بالمغرب يحيل في البداية على التوتر الذي بدأت تشهده العلاقة بين الطرفين مند مطلع الألفية الثالثة، و ذلك بعد تورط عدة أفراد و خلايا محسوبة على هذا التيار في تنفيذ عمليات إجرامية متطرفة بمسوغات دينية استهدفت مدنيين بعدة مدن بالمملكة. و ستصل هذه الانزلاقات إلى ذروتها مع تنفيذ العمليات الانتحارية التي هزّت الدار البيضاء ليلة 16 ماي 2003. ففي هذا الوقت بالذات، ستستفيق الدولة من غفلتها، و ستعي أن هذه المجموعات و الخلايا قد أصبحت تشكل خطرا جديا على أمنها و استقرارها، و بالتالي يتوجب عليها العمل على محاربتها و القضاء عليها. و سنعاين هذا التوجه بوضوح منذ الأيام الأولى التي تلت أحداث 16 ماي، إذ تحت وقع الصدمة، ستشن السلطات الأمنية حملة تمشيط واسعة و عشوائية شملت كل من له علاقة من قريب أو من بعيد بهذا الفكر السلفي الجهادي .
و الملاحظ أن الرد الأمني المتشدد الذي نهجته الدولة في تتبع المتورطين في تلك الاعتداءات الدموية خلّف تجاوزات خطيرة، سواء أثناء اعتقال المشتبه بهم أو عند التحقيق معهم و توجيه التهم لهم، هذا بالإضافة إلى ما تعرض له هؤلاء داخل السجون من تعذيب نفسي و جسدي زهقت معه أرواح العديد منهم . هذا الواقع سيدفع عدد من الهيئات الحقوقية الوطنية و الدولية إلى التعبير عن إدانتها و استنكارها للتجاوزات التي كانت تحصل، كما سيعمل المعتقلون أنفسهم و أسرهم على تنظيم عدة وقفات و إضرابات احتجاجية لإثارة الرأي العام و الضغط على الدولة لإطلاق سراحهم أو إعادة محاكمتهم بشكل عادل.
هكذا وبعد مرور حوالي سنتين تقريبا على النهج الأمني الصارم الذي تبنته السلطات، و ما خلفه من تجاوزات متعددة تمت تحت غطاء قانون الإرهاب الجديد، و نتيجة للضغوط القوية التي بدأت تمارسها المنظمات الحقوقية وطنيا و دوليا بخصوص هذه القضية، ستشرع الدولة، و إن بشكل محتشم، في بلورة مقاربة أخرى للموضوع كانت تتوخى إصلاح التجاوزات الأمنية العشوائية المشار إليها. و سيظهر هذا جليا من خلال المبادرات الأولية المتخذة في هذا الصدد.
I- بوادر مراجعة ملف “السلفية الجهادية”:
1- الدولة و المراجعات القضائية
شكل تصريح الملك لصحيفة “الباييس” الإسبانية بتاريخ 16 يناير 2005 الذي تحدث فيه عن حصول تجاوزات وقعت في ملفات عدد من المعتقلين على خلفية أحداث 16 ماي و إطلاق سراح حوالي 315 معتقل إسلامي بعد استفادتهم من عفو ملكي، إشارات رسمية إيجابية عن رغبة الدولة في معالجة الاختلالات التي شابت هذه القضية. و في الواقع، فطي ملف هؤلاء المعتقلين الإسلاميين كان يضع الدولة أمام عدة إكراهات يمكن تلخيصها في عنصرين رئيسيين:
– الضغط الكبير الذي كانت تمارسه جهات سياسية و إعلامية معينة كجريدة الأحداث المغربية تجاه أي مبادرة لتسوية ملف هؤلاء السجناء السلفيين، على اعتبار أن أياديهم ملطخة بالدماء و لا يجوز إطلاق سراحهم حتى لا يعودوا لارتكاب فظاعات جديدة. لكن من جهة أخرى، كانت هناك بعض المنظمات الحقوقية و هيئات المجتمع المدني من داخل المغرب و خارجه تضغط بدورها من أجل إصلاح تجاوزات ما بعد 16 ماي.
– التخوف من الإبقاء طويلا على هؤلاء المعتقلين داخل السجون، مما قد يؤدي عمليا إلى توفير فضاء ملائم لولادة تيار سلفي جهادي منظم لم يكن موجودا في الواقع، بل ستكون المؤسسة السجنية في حقيقة الأمر هي من احتضنت و ساعدت على نشأة و نمو هذا التنظيم و تأطيره بالقناعات الصحيحة أو المفترضة التي دخل على أساسها للسجن. من جهة أخرى، كان هناك تخوف من كونى التعذيب المتواصل و المكثف الممارس على هؤلاء المعتقلين السلفيين، قد يؤدي إلى إنتاج “فكر محنة” و “قطبيين جدد” حاملين لفكر تكفيري أكثر تطرفا، سيسهل معه إعادة إنتاج حلقات دموية أخرى ربما تكون أخطر من العمليات الإرهابية التي تعرض لها المغرب إلى حدود الآن. و تمثل حالة “عبد الفتاح الرايضي” التي أكدت شهادات بعض زملائه المعتقلين على تعرضه داخل معتقل تمارة و سجن أوطيطة لتعذيب شديد كما مورست عليه حالتي اغتصاب ، تعتبر درسا للإنذار و نموذجا مثاليا لهذا السيناريو المخيف.
و في سعيها للتوفيق بين هذه الاكراهات المتناقضة، سنشهد مع مطلع سنة 2007 بعض المؤشرات التي تنم عن رغبة الدولة، و رغبة المعتقلين أيضا، محاولة إيجاد مخرج أو حل متوازن تطوى معه هذه القضية العالقة نهائيا. هكذا و بتاريخ 24 يناير 2007، سيصدر المجلس الأعلى قرارا يقضي فيه بإلغاء الأحكام التي صدرت سابقا عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالبيضاء بتاريخ 25 شتنبر 2003 في حق كل من حسن الكتاني و محمد عبد الوهاب الرفيقي الملقب بأبي حفص، المحكوم عليهما على التوالي بـ 20 سنة و 30 سنة من السجن. وقد بررت المحكمة قرارها – بالنسبة للكتاني- بعدة خروقات مسطرية و قانونية شابت المحاكمة، خاصة رفض الشهود، و عدم التحقق من صحة التصريحات الواردة في محاضر الضابطة القضائية. و بناءا على هذه الخروقات، سيأمر المجلس الأعلى بإحالة الملف من جديد على محكمة الاستئناف بالبيضاء للبت فيه مع تكليف قضاة جدد لم يسبق لهم الفصل في هذه القضية للبث فيه من جديد.
و إذا كانت أهمية قرار المجلس الأعلى تكمن في التعبير عن نية الدولة بترك الباب مواربا أمام إمكانية تصحيح الأخطاء المرتكبة في هذا الملف، ففي الواقع، فتلك التسوية القضائية لم تكن لتصبح ممكنة و ذات معنى دون حصول تسوية سياسية تسبقها، تركز على الاتفاق مع المعتقلين حول عدة نقاط فكرية معينة و جوهرية تكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للدولة لارتباطها بالاستقرار والأمن العام الذي ينبغي أن يحمي الجميع.
من هذا المنطلق تأتي مسألة فتح الحوار مع الإسلاميين القابعين بالسجون و الذي سيشكل إن هو نجح في تقريب وجهات النظر بينهم و بين الدولة، خطوة صحيحة في اتجاه الطي النهائي لهذا الملف الشائك.
2- المراجعات الفكرية داخل السجون
يبدو أن المعتقلين الإسلاميين قد أدركوا جيدا أهمية الإشارات الإيجابية الصادرة عن الدولة و سارعوا بدورهم إلى التجاوب معها بأشكال متعددة. و قد أتت أولى ردود الفعل من الشيخين أنفسهم اللذين صدر لفائدتهم قرار النقض، إذ عبّر أحدهم عن ارتياحه لهذه الخطوة التي اعتبرها إشارة دالة عن قرب انفراج ملفهم، مؤكدا عن “استعداده الدائم للحوار مع كل مبادر إلى ذلك من أهل الرأي و الشخصيات العامة” .
و سيعيد أبي حفص التأكيد على هذا الأمر في بيانيين نشرتهما بعض الصحف الوطنية. الأول تحت عنوان “بيان إلى شباب الأمة” مؤرخ في 13 مارس 2007، يتوجه فيه الشيخ بنداء إلى المعتقلين دعاهم فيه إلى إعلان رفضهم للأعمال التخريبية التي وقعت ليلة 11 مارس بحي سيدي مومن بالدار البيضاء، و إدانتهم لها بشكل صريح أيا كانت الجهة التي تقف وراءها، لما فيها من استهتار بأرواح المعصومين و لمخالفتها الصريحة للنصوص الشرعية القطعية التي تحرم الاعتداء على الأنفس بدون وجه حق، و لكونها أيضا لا تحقق أية مصلحة بقدر ما تجلب الكثير من “المفاسد” لخصها بيان أبو حفص في العناصر التالية:
– إساءة هذه الأعمال لقضايا الأمة الإسلامية العادلة في فلسطين و العراق و أفغانستان بحيث يصير كل مجاهد أو مقاوم للاحتلال إرهابيا.
– استغلال خصوم الدعوة الإسلامية لمثل هذه الأعمال للتضييق على مجالات و مواقع الدعوة و محاصرة العلماء الفاعلين فيها.
– استغلال بعض الجهات لهذا الحدث لعرقلة انفراج ملف المعتقلين الذي كان جاريا و لإخراس “صوتنا الذي يشع اعتدالا ووسطية و اتزانا”.
– دعوة السلطات إلى عدم الاكتفاء بالمعالجة الأمنية لهذا الحادث، بل “لا بد من فتح أبواب الحوار و إنصاف المظلومين، و الحد من ظاهرة التطرف بنوعيه و شكليه، أي التطرف الديني و التطرف العلماني” .
أما البيان الثاني الذي حرر بتاريخ 12 أبريل 2007 تحت عنوان “بيان على بيان” ، فبالإضافة إلى إعادة التأكيد على إدانته الصريحة لـ”الأعمال التخريبية” التي استهدفت الدار البيضاء، فقد ركز الشيخ هذه المرة على عدة قضايا تروم الرد على اتهامات عديدة وجهت له شخصيا عقب صدور بيانه الأول، من طرف صحفيين و أحد الباحثين الجامعيين ذكره بالاسم، إضافة إلى تشكيك جزء من المعتقلين أنفسهم في خلفيات البيان المذكور. و قد استغل أبو حفص الفرصة للتبرؤ في هذا البيان المطول من التهم الموجهة له بالتركيز على العناصر التالية:
1- اعتراف أبي حفص صراحة بأن تجربته في السجن وفرت له فضاء للتأمل و المراجعة، و أنه حاليا لا يجد أدنى حرج في إقرار وقوع تجربته الدعوية في جملة من الأخطاء القاتلة بفعل “حماسة الشباب و قوة العاطفة و فوران الغيرة”، معتبرا أن خيار “المراجعة الفكرية التي تهم الخطوط العامة للمسار” ينبغي أن يمارس بشكل يومي و دائم، و هي تهم المعتقلين داخل السجون كما تهم غيرهم من الحركات الإسلامية “حتى يتصحح المسار و تتلافى الهفوات و المزالق” مؤكدا على أن المخلص في إسلامه لا ينبغي أن يجد الحرج في إعلان رجوعه عن قول أو فكر باطل.
2- تنبيه الشيخ إلى أن اعترافه بالخطأ و إعلان التراجع عنه لا ينبغي أن يفهم أنه كان في يوما ما من الخوارج أو التكفيريين أو من المحرضين على القتل أو من الداعين له. فبالعكس، فهو ينفي مطلقا صلته أو إيمانه بهذا النهج سواء قبل دخوله للسجن أو بعده. و في هذا الصدد، عبّر الشيخ عن تعجبه من اتهامه بتكفير المجتمع مع العلم بأنه من أبناء هذا المجتمع و من أكثر المحبين له: ” فهذا المجتمع فيه نشأت و فيه تربيت و فيه تعلمت و فيه نلت شهاداتي العليا(..) و في مساجده صليت و درست و أممت و خطبت و دعوت إلى الله، و أهل هذا المجتمع هم أهلي و أقربائي و أصحابي و معارفي و علاقاتي من المتدينين و غير المتدينين(..)، فضلا على استنكاري قبل السجن وبعده على أهل الغلو من الخوارج الضالين كلاب أهل النار، فهل يعقل بعد هذا أنني أدعو إلى تكفير المجتمع؟”.
3- احترام الشيخ للعلماء المغاربة و ترحيبه بزيارتهم له عكس الاتهامات التي وجهت له بكونه رفض استقبالهم في السجن. و في هذا الإطار، يرفض الشيخ بشدة تصنيف بعض المنابر الإعلامية له داخل خانة “السلفية الجهادية”. بالمقابل فهو يعتبر نفسه “أحد أبناء الحركة الإسلامية” التي عايش بداياتها الأولى و قرأ أدبيات رموزها المرجعية في الخارج و في الداخل، كما أنه يعتبر نفسه طالب علم ممن تربوا وتشربوا المعرفة على يد كبار المشايخ و العلماء المغاربة مثل تقي الدين الهلالي، عبد الباري الزمزمي، محمد الزحل، القاضي برهون، محمد الروكي..الخ.
4- تأكيد الشيخ جدية و ثباته على المواقف التي عبّر عنها في بياناته، منبها إلى أنها تعبر عن قناعاته الحقيقية و ليست مجرد مناورة أو تقية تطمح لاستصدار العفو في حقه، كما أنها ليست صفقة مع طرف معين كما أتهم بذلك.
و على الرغم من أن بيانات أبي حفص لم تكن تحظى بالإجماع داخل أوساط المعتقلين، إلا أن بعض هؤلاء عبّروا على طريقتهم الخاصة عن استعدادهم لفتح الحوار مع الدولة، إذ تم الكشف في بداية هذه السنة عن عمليات مراجعات فكرية و نقدية جارية داخل السجون حرصت على أخد مسافة من الحركات الجهادية العالمية، وحاولت أن تناقش وتنتقد بعض أطروحاتها الفكرية وممارساتها الانتحارية والتكفيرية. وستشكل أدبيات بعض الجماعات الإسلامية التي خرجت من السجون المصرية في منتصف سنة 1997 نموذجا للإقتداء، حيث ستسمح إدارة السجون بوزارة العدل بإدخال و تداول عدة كتب معظمها صادر عن الجماعة الإسلامية المصرية .
و من خلال قراءة سريعة في عناوين الكتب التي كانت رائجة بين المعتقلين، يمكن القول أن الفكرة الأساسية التي تؤطر معظم هذه الكتب تتعلق بصياغة رؤية شرعية نقدية لفكر و ممارسات التنظيمات الجهادية ممثلة في القاعدة بخصوص لجوءها للعنف و التكفير و قتل المدنيين. و تحاول بعض هذه الكتب مناقشة التأصيل الشرعي لمثل هذه الممارسات العنيفة، و تنبه إلى ضرورة الاستنارة بفقه الواقع عند إرادة تنزيل بعض الأحكام القرآنية على الأرض.
و عموما، فقد تمخضت تأملات المعتقلين الإسلاميين المغاربة و إعادة قراءتهم لهذه الأدبيات النقدية عن العديد من الأفكار و المواقف المبدئية المعتدلة التي كانت تحتاج بدورها إلى مجهود تقعيدي شرعي قبل إعلانها و نشرها للعموم. و يمكن تلخيص أهم النقط التي ارتكزت عليها هذه المراجعات في الأفكار الرئيسية التالية:
– التراجع عن القول بجواز العمل المسلح بالمغرب و السعودية و سائر بلاد المسلمين.
– التراجع عن تأييد القيام بعمليات التفجير في بلاد المسلمين
– التراجع عن القول بجواز تنفيذ تفجيرات في دول أرويا و الغرب عموما
– عدم الاعتقاد بعصمة القاعدة و عدم التردد في النظر إليها نظرة نقدية
– العمل على الحد من ظاهرة الغلو في التكفير
– الإيمان بالتعامل مع الحركات الإسلامية و التعاون معها
– الإيمان بالتعامل مع الحركات الإسلامية و التعاون معها
– جواز المشاركة في العمل السياسي إدا غلبت المصالح على المفاسد
– إعادة النظر في عمليات 11 شتنبر بالولايات المتحدة الأمريكية
و سيتم تأكيد النية والعزم في تعميق خيار المراجعات النقدية في رد الفعل الذي أبداه معتقلي “السلفية الجهادية” تجاه المحاولات الانتحارية التي نفدت في مارس وأبريل 2007، حيث ستبادر بعض المجموعات فورا إلى تسجيل موقفها المدين لمنفذي تلك الاعتداءات مشدّدين على أنها غير مبررة لا شرعا و لا عقلا و بأنها لا تعدو أن تكون ” عملا طائشا و صبيانيا” و “عمل إجرامي غادر و جبان كان الغرض منه النيل من استقرار المغرب و المس بحياة المواطنين” و بأن مرتكبيه من “الأوغاد السفلة الذين باعوا ضمائرهم و تبنوا الحقد والكراهية مذهبا لهم” .
و زيادة على بيانات الإدانة و الاستنكار، سيشكل حادث 11 مارس فرصة لتسريع وتيرة المراجعات التي تمت الإشارة لبعض منطلقاتها المبدئية، إذ ستوكل لجلال مودن (أبو أسامة) و رشيد بريجة من سجن بوركايز بفاس مهمة القيام بالتأصيل الشرعي المتأني لتلك المراجعات الفكرية باسم مجموعة مهمة من المعتقلين السلفيين و بتحفيز من الشيوخ المعروفين كحسن الكتاني و أبي حفص و الفيزازي..الخ. و سيتم الشروع في نشر أولى حلقات هذه المراجعات التأصيلة على صفحات إحدى الأسبوعيات الوطنية ابتداءا من الأسبوع الأخير لشهر مارس .
غير أن هذه المواقف و المراجعات الإيجابية الصادرة عن الكثير من المعتقلين الإسلاميين لم تستطع أن تصمد أمام حالة الهلع الشعبي الواسع و الاستنفار الأمني المكثف التي خلفتها تلك العمليات الانتحارية التي فرضت أجواء سياسية متوترة غير مواتية تماما لاستمرار الحديث في هذا الموضوع، لا سيما مع اكتشاف أن منفذ عملية تفجير محل الإنترنت في حي سيدي مومن ليلة الجمعة 11 مارس و الذي يدعى “عبد الفتاح الرايضي”، كان واحدا من هؤلاء المعتقلين سابقا قبل تمتعه بالعفو الملكي سنة 2005.
II- بين الذاتي و الموضوعي: مقدمات لإنجاح الحوار مع “السلفية الجهادية”
نعتقد أن ما جرى في أحياء سيدي مومن و الفرح بالبيضاء هذه السنة رغم وقعه السلبي على مسار الانفراج في ملف هؤلاء المعتقلين، فإنه لم يجهض مبادرة الحوار كما قد يعتقد البعض، بقدر ما جعله ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى. فتراجع الحديث عن هذا الموضوع لا ينبغي أن ينظر إليه سوى تأجيل و إرجاء النظر في موضوع الحوار و ليس تخليا عنه بالمطلق. فالدولة قد تكون اقتنعت، وربما حتى جزء مهم من ممثلي المعتقلين أنفسهم، أن الأمر يتطلب بعض التريث حتى تتوفر المنطلقات السليمة لاستكماله وفق ما هو متوخى.
و في الواقع، فما كان يعوز الأطراف المعنية بهذا الملف ليس هي إرادة الحوار فقط، و هي إرادة كانت متوفرة حتما لدى مختلف الأطراف كما أشرنا إلى ذلك من قبل، بل ما كان يعوز بالفعل هو توفر رؤية وإستراتيجية واضحة لشكل هذا الحوار وطبيعته، وتحديد العناصر الممثلة للأطراف المعنية به، ثم إيجاد الشروط الملائمة التي يمكن أن تساعد على التقدم فيه و إنجاحه.
أو بعبارة أخرى، فمبادرة الحوار الجدي و المسؤول كانت تقف أمامها معيقات نابعة من أطراف الحوار أنفسهم.
1- نحو رؤية رسمية منسجمة لمبادرة الحوار
بخصوص الإشارات الإيجابية المتعددة الصادرة عن الدولة التي عبرت من خلالها عن استعدادها لفتح الحوار مع المعتقلين الإسلاميين، يلاحظ أن هذه الإشارات بقيت متضاربة و غير واضحة المعالم. و الراجح أن هذا الأمر كان يشير في الواقع إلى افتقاد التدبير الرسمي لهذا الملف لرؤية منسجمة بين ثلاثة أجهزة حكومية تعتبر معنية بهذا الموضوع وهي: وزارة العدل، وزارة الداخلية و وزارة الأوقاف. فمن السهل معاينة ما يشبه التناقض بين تصورات هذه الأجهزة الحكومية ودخولها في متاهة اللوم المتبادل وتعليق كل طرف لمسؤولية الفشل في فتح الحوار على الطرف الأخر، هذا زيادة على الخلل والثغرات التي كانت تعاني منها مبادرة كل وزارة من الوزارات المذكورة.
فوزير العدل المغربي سيصرح في 21 نونبر 2006 أن رغبته الفعلية في فتح حوار مع معتقلي “السلفية الجهادية” كانت تصطدم بعدم وجود “متطوعين من العلماء و رجال الدين لكي يحاوروا هؤلاء ليبينوا لهم ما هو الدين و ما هو الإسلام الحقيقي” .
و سيكرّر محمد بوزوبع نفس الفكرة في بداية مارس 2007، بتشديده على مشكلة غياب علماء أكفاء يمكنهم القيام بمهمة الحوار: “أعترف أننا وجدنا صعوبة في العثور على أشخاص لديهم حس و قدرة على الإقناع. هذا النوع من الحوار في حاجة إلى جرأة ولوج السجون والتحاور مع المعتقلين” . و يمكن اعتبار هذا التصريح انتقادا علنيا واضحا لوزارة الأوقاف و لمجالس العلماء التي تعتبر وصية عليها. و فيما يشبه الرد على ذلك التصريح، سيؤكد وزير الأوقاف في أواخر ماي 2007 بمجلس النواب، على أن “الحوار ينبغي أن يكون مع الذي لا يعلم، أما من هم في السجون، فهم يعلمون الحلال و الحرام، و يعلمون خلفيات الإرهاب”. و بالتالي فالمعتقلون حسب هذا التصور لا يستحقون الحوار.
مظهر أخر للتناقض بين الأجهزة الحكومية الرسمية تجلى في تحديد الطرف الذي ينبغي محاورته. فوزير العدل المغربي سيضيف على تصريحه السابق بأن ما يهمه بالدرجة الأولى من هذا الحوار ” ليس الشيوخ و رموز هذا التيار، و إنما الشباب و المغرر بهم ممن هم في حاجة لمن يشرح لهم معنى الإسلام الصحيح” .
أما وزير الداخلية شكيب بنموسى، فقد اختلف كليا مع زميله في العدل بتصريحه في إحدى جلسات البرلمان التي تلت أحداث ابريل، بأن وزارة الداخلية في حالة فتحها لحوار مع معتقلي السلفية الجهادية، فإنها لن تتحاور “مع القتلة من المتورطين في العمليات الإرهابية التي أسفرت عن قتلى و جرحى و تخريب”، و إنما ستُتحاور، على العكس مما ذهب إليه بوزوبع، مع المنظرين فقط، أي مع “الشيوخ الذين يرغبون في مناقشة الأفكار و الوقائع للخروج برؤية واضحة تقي الشباب من خطورة الشبكات الإرهابية المحلية و الدولية” .
و بالإضافة إلى هذا التناقض الواضح في تحديد الطرف الأخر الذي سيتم التحاور معه، فقد وضع شكيب بنموسى ثلاثة شروط مسبقة ينبغي توفرها في هذا الطرف قبل أي مبادرة في هذا الشأن. و تتعلق هذه الشروط بثلاثة مسائل أساسية: “الإيمان بالديمقراطية، و نبد الإرهاب و العنف قولا و ممارسة، و الانصهار عن قناعة في المشروع المجتمعي البناء” .
و إذا صح هذا القول، فالتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كان هذا المسؤول الحكومي يفرق حقا بين شروط الحوار و بين أهدافه، كما نتسائل هنا عن وظيفة الحوار وما هي المشكلة القائمة التي ينبغي حلها إذا تحققت قبلا هذه “الشروط”، بل ولماذا تم حشر كل هذا الجيش العرمرم من المعتقلين في الزنازن إذا كانت لهم أصلا القابلية لتبني مثل هذه القناعات بهذه السرعة و السهولة؟!
أما بخصوص المؤسسة الدينية الرسمية، فيبدو أنها ما زالت بعيدة – أو مبعدة- عن هذا الملف رغم أنه يعنيها بالدرجة الأولى باعتبارها المشرفة الرئيسية على سياسة “الأمن الروحي” الذي ينبغي أن يسود البلاد. فباستثناء تصريحات سابقة لوزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية و الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى تعود لسنة 2004، والتي تؤكد على أهمية الحوار و استعداد العلماء لمباشرته مع المعتقلين في متابعات أحداث 16 ماي، فوزارة الأوقاف لم تقم بأية مبادرة في هذا الاتجاه باستثناء تلك الندوة التي نظمها المجلس العلمي الأعلى بتاريخ 19 ماي 2007 حول “حكم الشرع في دعاوى الإرهاب” .
فمن خلال الإطلاع على المواضيع و المحاور التي تمت معالجتها في هذه الندوة، يظهر أن المشرفين عليها تعمدوا التركيز بشكل أساسي على أهم الأطروحات المرجعية التي تشكل النواة و العمق النظري الذي ينهل منه الفكر الجهادي المعاصر بشكل عام، دون الدخول في التمايزات الدقيقة التي تفرق المدارس الجهادية الموجودة في الساحة خاصة الخط الجهادي المصري الذي يعود للسبعينات من هذا القرن، أو الخط الوهابي الذي نزع إلى الجهاد بدوره ضد أنظمته في بداية التسعينات مع اندلاع أزمة الخليج الثانية، و هما خطين يخترقان بشكل أو بأخر جسم الجهاديين المغاربة.
و هكذا حاولت أشغال هذه الندوة الفكرية مناقشة مفاهيم مركزية مثل الحاكمية، الجاهلية، الجهاد و من له الحق في إعلانه، شروط التكفير و صعوبة إعلانه، معنى الولاء و البراء، شروط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، علاقة الشورى و الديمقراطية، المذهبية و اللامذهبية، حدود الإجماع..الخ. و إذا كان لا أحد يستطيع إنكار أهمية طرح مثل هذه المواضيع للمناقشة و التفكير في الظرفية الحالية بالذات، فمما لا شك فيه أن طريقة معالجة هذه المواضيع و الإطار الشكلي الذي تمت به، أعطى انطباعا قويا بأن إطلاق مثل هذه المبادرة كانت محكوما أكثر برد الفعل المتولد عن أحداث مارس و أبريل التي استهدفت الدار البيضاء سنة 2007، و لا يمكن الجزم بأنها كانت موجهة مباشرة للمعتقلين الإسلاميين القابعين وراء القضبان منذ أحداث 16 ماي 2003. أو بمعنى أخر، فهذه المبادرة المنعقدة تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، كانت تندرج كما صرح بذلك وزير الأوقاف خلال كلمته التي ألقاها في ختام هذه الندوة، في إطار “سياسة الدولة في محاربة الإرهاب”. و بهذا المعنى، فالندوة اتخذت صبغة مواجهة ذات نفس هجومي و فورة رد الفعل لكونها لم تستطع التجرد من الحماسة و الاندفاع الذي كانت تفرضه ظرفية التفجيرات، رغم الإجماع على خطورتها. كما أن جل مداخلات الندوة ضلت تسبح في مقاربة عامة للموضوع دون تحديد واضح للمخَاطَب (بفتح الطاء) المعني بالرسالة و السياق الخاص الذي تنطلق منه، و الذي يفترض أنه موجه للجهاديين المغاربة القابعين بالسجون و من هم خارجه.
وحتى إذا سلمنا أن هذه الخطوة ترمي إلى مباشرة الحوار مع هؤلاء، فلا نعتقد أن استعمال العلماء المتدخلين في الندوة للغة مفعمة بروح الإدانة و الاستنكار، و النعت المتكرر للمخالفين بصفات قدحية من قبيل ” الإرهابيون” و ” الخوارج الجدد” و وسم سلوكهم بـ” الجهل و التطرف و الطيش و النزق” ..الخ، لا نعتقد أن توظيف مثل هذا القاموس اللفظي سيمكن من بناء ” الحوار الصميم” كما جاء في الكلمة الختامية التي ألقاها وزير الأوقاف، أو ستمكن من كسب ثقة المخالفين في الرأي سواء القابعين في السجن أو من هم خارجه، بقدر ما يعتبر هذا الانزلاق اللفظي و الشكلي في حقيقة الأمر إجهاضا للحوار حتى قبل ولادته.
و على العموم، يمكن القول أن هذه المبادرة الفكرية بالشكل الذي تمت به، كانت ستعتبر خطوة عملية فعالة في اتجاه إشراك علماء المؤسسة الدينية الرسمية في مواجهة الفكر المتطرف، لو حددت أولا بشكل واضح الجهة المجسدة لهذا الفكر، و تمت مناقشتها بالحوار الفكري الهادئ المتسلح بمنهجية بيداغوجية تشاركية، و حرصت على توظيف لغة تواصلية منفتحة و ملائمة تسهل كسب ثقة المخالفين. إلا أن مداخلات هذه الندوة بقيت في اعتقادنا بعيدة عن روح الحوار الذي له آدابه و شروطه التي ينبغي احترامها، و منها ضرورة الاستماع إلى الأخر و احترام وجهة نظره و كسب ثقته، ثم الدخول في حوار مباشر معه رأسا لرأس في السجون و المعتقلات و عدم الاقتصار على إلقاء المحاضرات و قراءة الخطب في قاعات نخبوية مغلقة.
2- نحو فرز تمثيلي لحساسيات “السلفية الجهادية”
بخصوص مسؤولية المعتقلين الإسلاميين أنفسهم في تعثر مبادرة فتح الحوار، فيمكن تلخيصها في غياب خريطة فكرية تمثل فرزا واضحا لمختلف الحساسيات و المرجعيات العقيدية التي تخترق جسمهم، إذ بدا واضحا،على الأقل من خلال السجالات الذي خلفتها بيانات أبي حفص، أن معتقلي السلفية الجهادية كانوا أشبه بذلك الصندوق الصوتي الذي يصدر منه خليط من الأصوات التي تفتقد للتجانس و الانسجام. لقد بينت هذه السجالات أن المعتقلين هم ليسوا على رأي و فكر واحد، كما أنهم لا يخضعون لرموز محددة تمثلهم و تنطق باسمهم، حتى أن بعضهم أنكر “مشيخة” أبي حفص و حسن الكتاني عليهم، و لم يتورع البعض الأخر عن نعتهم بـ” شيوخ الوهم” و “بالونات المشيخة و القيادة” ، زيادة على وصف المراجعات التي كانوا يدعون إليها بكونها ” انتحار سياسي و عطالة دعوية، و رهان الدولة عليها فاشل، لأنها عندما قامت بترميزهما كانت تراهن عليهما في ضبط الساحة السلفية و الفكر الجهادي، و بتخليهما عن الفكر السلفي الجهادي و تملصهما من مسؤوليتهما التاريخية سيسقط الرهان” .
و كتأكيد لهذا التباعد مع من ينعتون بـ”منظري السلفية الجهادية”، سيعلن في بداية يوليوز 2007 من داخل سجن سلا عن ميلاد حركة جديدة تطلق على نفسها إسم ” السلفية الحركية بالمغرب الأقصى” أشارت في وثيقتها التأسيسية إلى أنها تؤمن بالعمل السياسي الذي يتأسس على قيم الإعتدال و الوسطية، كما طرح في نفس الوثيقة “مبادرة وطنية للحوار” تقوم على مبادئ و ضوابط محددة، تتجاهل تماما مبادرة المراجعات الفكرية المشار إليها سابقا.
نفس التجاهل يمكن أن يقال أيضا على مشروع المراجعة الذي طرحه حسن الحطابزعيم شبكة أنصار المهدي في شهر ماي 2008، في إطار ما سماه “حركة أنصار المهدي الإصلاحية بالمغرب الإسلامي”، و الذي يعلن فيه التخلي عن عدد من الطروحات المتطرفة التي كان تميز مواقفه السابقة، كما يحاول من خلال هذا المشروع التأسيس لتصور سلفي معتدل يقبل بالتعددية السياسية و العقدية.
و من خلال هذه المواقف المتشرذمة التي لا تمثل سوى نموذج للانقسامات الداخلية التي كانت شائعة بين المعتقلين السلفيين ، يبدو أن على الدولة أن تحتاط جيدا من أي انزلاق استخباراتي متسرع يستهدف تمييع تمثيلية هذا التيار. صحيح أن أبي حفص و الكتاني لهما مكانتهما و صيتهما المحترم بين الشباب المعتقلين، لكن يجب أن لا ننسى أيضا أن قسما أخر لا يستهان به من المعتقلين لا يجد نفسه فيما يعبر عنه الشيخين بشهادة هذين الأخيرين نفسهما. فقد سبق لأبي حفص أن صرح على أن المتواجدين خلف القضبان لا يمثلون تيار واحد ذو نسق فكري منسجم له نفس التصورات و القناعات، بل هنالك اختلاف و تنوع في المشارب و الخلفيات الفكرية و العقيدية التي تصل إلى حد التناقض في الموقف حول نفس القضية .
و بالتالي، ينبغي على الدولة أن تكون في مستوى هذا التحدي الدقيق و تحرص على الاحتفاظ لهذا التيار بتمايزاته و اختلافاته الداخلية، بل و ينبغي أن تدفع قدر المستطاع في اتجاه إنضاجها بما يساهم في إفراز و بلورة رموز قيادية حقيقية يسهل على السلطة السياسية من خلالهم ضبط و احتواء هذا التيار الذي يسمى حاليا بـ” السلفية الجهادية”. فالخوف هو إذن من السقوط في تكريس تيار جهادي “هلامي” يصعب تحديد أطرافه و موجهيه، و سيتضاعف هذا التخوف إدا ما اختار أو دُفع هذا التيار إلى العمل السري تحت الأرض، إذ سنصبح في حقيقة الأمر أمام مجموعات سلفية غير مرئية سيصعب حتما على الدولة أنداك ضبط حركيتها و احتواء نشاطاتها التي قد تشكل خطرا على استقرار الدولة و المجتمع.
و تستدرجنا هذه الفكرة إلى موضوع أخر يتعلق بالقناعات الفكرية التي تؤطر معتقلي السلفية الجهادية. فالمتتبع للإنتاج الفكري الضئيل و المتناثر للمعتقلين سيلاحظ أن هؤلاء ما زالوا عاجزين في الواقع عن إنتاج أطر فكرية قادرة على إنتاج تراكم من الرؤى و الأفكار الأصيلة التي يمكن أن تسمح بتبين وجهة نظرهم الخاصة تجاه بعض القضايا المطروحة، دون الاستنجاد بالفكر الجهادي العالمي الذي ما زال الكثير منهم يجتر مقولاته و جزئياته الدقيقة. فالحوار حول قضايا حساسة كالإرهاب و التطرف و التكفير و التفجيرات الانتحارية لا ينبغي أن يتم من خلال عيون أو نظارات الجماعة الإسلامية المصرية رغم حتمية التثاقف و أهمية الإقتداء بالنماذج المقارنة. فمما لا شك فيه أن قوة أي طرح فكري و تماسكه لا يمكن أن ينبنى إلا عبر قراءة نافذة للواقع و تقدير جيد لخصوصياته.
إن التيار السلفي الجهادي في المغرب مدعو إذن إلى إنتاج و مراكمة أدبياته و أفكاره الخاصة به للتمكن أولا من تجاوز أزمته الظرفية التي يمر منها حاليا من وراء القضبان، تم العمل إذا ما كان يرغب في إشراك نفسه في التدافع السياسي و الاختلاف الحضاري السلمي، على إيجاد موقع قدم له داخل الخريطة الحركية الإسلامية بالمغرب بقوة الفكر و هذا هو الأهم، و ليس بفتاوى التحريم و التكفير أو بتنفيذ تفجيرات تزعزع استقرار هذا الوطن الذي ينبغي أن يحافظ على أمن الجميع. و يظهر أن جزء مهم من الحركة الإسلامية المغربية (حركة التوحيد و الإصلاح كنموذج) عبرت في أكثر من مناسبة عن تشجيعه لهذا التوجه السلمي و دعمه من خلال الحرص على نشر مختلف بيانات الشيوخ المعتقلين التي تعبر عن مواقف واضحة تسير في هذا الاتجاه، أو من خلال وضع رموز فاعلة من الحركة أنفسهم رهن إشارة الدولة للاضطلاع بمهمة التحاور مباشرة مع هؤلاء المعتقلين .
و من جهة أخرى، نعتقد أنه ينبغي على التيار السلفي الجهادي قبل أن يباشر أي حوار مع السلطة أو أي طرف أخر، عليه أولا أن يطلق حوارا داخليا بينيا داخل قواعده المنتشرة داخل السجون و خارجه، و ذلك لبلورة رموز تمثل جغرافيته و تضاريسه الفكرية، و لتأسيس منطلقات و أرضيات صلبة تسهل و تساعد على إنجاح أية مبادرة تفاهم مع النظام.
و في انتظار تحقق هذه الشروط الذاتية و الموضوعية من طرفي الحوار معا، سيتوارى الحديث عن هذا الموضوع بعدما تكثف الحديث عنه خلال الأربع أشهر الأولى من سنة 2007، كما سيتواصل استثناء المعتقلين الإسلاميين من جميع أحكام العفو الملكي التي أعلن عنها خلال المناسبات و الأعياد الدينية خلال الثلاث سنوات الأخيرة، و ذلك بعدما كان قد استفاد منها بين سنتي 2005 و 2006 حوالي 315 معتقل . هذا زيادة على التأجيل المتكرر لموعد إعادة محاكمة الشيخين أبو حفص و حسن الكتاني على خلفية قرار المجلس الأعلى المشار إليه سابقا.
و بالمقابل، سنشهد منذ شهر شتنبر من سنة 2007 عودة مكثفة لأسلوب التصعيد وشد الحبل من جديد بين المعتقلين الإسلاميين و الدولة بخوض إضرابات متتالية داخل السجون، احتجاجا على القمع و التعذيب النفسي و الجسدي المكثف الذي يتعرض له المعتقلون من طرف بعض المسؤولين، و الأوضاع المعيشية السيئة داخل السجون و غيرها من التجاوزات و الانتهاكات الإنسانية التي وصفتها بتدقيق بعض التقارير و الوثائق التي سربها المعتقلين الإسلاميين .
خلاصة
كانت هذه إذن هي أهم الأفكار و الملاحظات النقدية التي يثيرها موضوع الحوار بين الدولة و معتقلي السلفية الجهادية. و قبل أن أختم، أود أن أشير إلى أن الرهان على هذا الموضوع لا يستجيب لحاجات و إكراهات داخلية فحسب، بل إنه يكتسي رهانات لها امتدادات دولية أيضا، لاسيما مع التزايد المستمر لعدد المغاربة المتهمين بالوقوف وراء أعمال إرهابية في دول العالم، كما أن الكثير من التقارير الأمنية الدولية أصبحت تشير إلى المغرب كقاعدة خلفية يتم فيها استقطاب و تجنيد الكثير من المتطوعين الذين توظفهم شبكات جهادية عالمية لتنفيذ عملياتها.
من جهة أخرى، فبداية الحديث عن موضوع الحوار بالمغرب أتى ليواكب سياقا إقليميا أصبح يشجع على المضي في هذه المسارات. فمما لا شك أن الدولة المغربية حديثة العهد بهذا النوع من “المعتقلين الجهاديين” كانت تتابع باهتمام ما كان يجري داخل عدد من البلدان الإسلامية كاليمن و السعودية و مصر. و بالتركيز على التجربة المصرية، التي تعتبر من أهم التجارب على الإطلاق نظرا لكون التنظيمات الجهادية بها قد مارست نشاطها المتطرف ضد الدولة منذ وقت مبكر في سنوات السبعينات، فهي تقدم الكثير من الدروس عن كيفية التسوية السلمية لملف المعتقلين خاصة بعد دخولهم في حلقات من المراجعات الفكرية و النقد الذاتي منذ سنة 1997، و هو الأمر الذي واكبته السلطات المصرية بإطلاق سراح مئات المعتقلين من “الجماعة المصرية” بالذات.
و تكشف التطورات الجارية حاليا داخل مصر أن الأمر نفسه يحدث مع “تنظيم الجهاد”، حيث يخوض هذا التنظيم من داخل السجون مراجعات عميقة و مثيرة يقودها أحد أبرز القيادات الجهادية التي تتلمذ على يدها الجيل الثاني من تنظيم القاعدة، و هو الشيخ “سيد إمام الشريف”، المنظّر الأول لـ”تنظيم الجهاد” الذي كان مسؤولا عن الكثير من العمليات الإرهابية التي استهدفت سياحا أجانب و شخصيات رسمية في الدولة من أهمهم الرئيس الراحل أنور السادات. “ترشيد الجهاد في مصر و العالم” هو عنوان المراجعات الفكرية و الفقهية التي يقودها هذا الشيخ المنظّر، و من خلالها يتراجع عن كثير من فتاويه التكفيرية السابقة تصل إلى حدود وصف الرئيس السابق المغتال السادات بـ” الشهيد”، مما يؤكد أهمية الرهان على هذا المسار للوصول إلى تسوية سياسية تطوي هذا الملف الشائك و المعقد بأقل الخسائر الممكنة.
*باحث في العلوم السياسية

