قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة ال20 موضوعها (الجهاد في تصور السلفية الجهادية المغربية) مع عبد اللطيف حسني

باعتبار الإشكال المعرفي هو الكيفية التي بمقتضاها يتم تصور المشكلات في منظومة معرفية معينة، فإن اشكاليتنا تقوم في هذا العرض على مستويين. المستوى الأول مستوى التسمية: " الجهادية " أو " السلفية الجهادية " . والمستوى الثاني، مستوى المفهوم المرتكز لهذه المداخلة وهو مفهوم " الجهاد " .
في التسمية
تتعدد التسميات المنعوتة بها الحركات الإسلامية الجديدة الموسومة بالتطرف، غير أن المسمى ليس واحدا في جميع الحالات. ومن هذه التسميات: " الهجرة والتكفير "، تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي "، " جماعة الصراط المستقيم "، " الأفغان المغاربة "، " جماعة التوحيد والجهاد "، " أنصار المهدي "، " حركة المجاهدين المغاربة "، " الجماعة الإسلامية المغربية "، " حزب التحرير الإسلامي "، " الجماعة الإسلامية للتوحيد والجهاد " .
هذه التنظيمات دعيت بشكل تبسيطي من قبل الإعلام ب " السلفية الجهادية " بغية تمييزها عن باقي السلفيات، باعتبار تبنيها للجهاد،لأول وهلة يبدو أن القاسم المشترك الذي تتجمع من حوله هذه التنظيمات هو الجهاد، غير أن القول بهذا ينطوي على نوع من التضليل والتمويه، ذلك أن القاسم المشترك الذي يجمع بين هذه التنظيمات ليس هو الجهاد، ولكن هو الإسلام. فهم يتوحدون في التدين بالدين الإسلامي، ولكنهم يختلفون في تفسيرهم للإسلام وللمفاهيم المحورية التي بني الإسلام عليها. تمت صورة دقيقة يقدمها " أبوحفص " الموصوم بكونه من رواد السلفية الجهادية المغربية عن هذه الخلطة التنظيمية المسماة إعلاميا ب " السلفية الجهادية "، يقول " أبو حفص " : " … ما يسمى إعلاميا بتيار السلفية الجهادية، وكأنهم على فكر واحد ونسق واحد، أو كأنهم تنظيم فكري له أدبيات ومرجعيات موحدة، والواقع أن الإسلام فقط هو الذي يوحدهم جميعا، أما الأفكار والتصورات والمستويات فتفرقهم إلى تيارات ومناهج ومنازع مختلفة، فمنهم أصلا من له انتماء فكري معروف وواضح، كبعض المعتقلين المنتمين إلى " حركة التوحيد والإصلاح " أو " حزب العدالة والتنمية "، أو " جماعة العدل والإحسان "، أو جماعة الدعوة والتبليغ " . وحتى من لا يغرف له انتماء، وهم الأغلبية، فأصناف وألوان وأشكال، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فمنهم من تبنى الفكرالجهادي العالمي بأدبياته المعروفة، ويصرح بذلك ويفخر به. ومنهم من يتبنى الفكر الاخواني بلوازمه ومقتضياته، ومنهم من اتخذ موقعا بين الطرفين، ومنهم من لا يتورع عن تكفير المجتمعات المسلمة والعاملين بها حتى يصل التكفير به إلى أصغر موظف في أصغر مؤسسة عمومية، ومنهم من جند جهده للتحذير من الوقوع في هذا المنزلق الخطير داعيا إلى الانسجام مع مجتمعاتنا المسلمة والتعايش معها والاندماج فيها، ومنهم من يكفر كل المنتمين إلى الأحزاب والهيئات السياسية، ولا يرى في القنافذ أملسا. ومنهم من يفرق بين الأحزاب والهيئات والأشخاص، ولا يكفر لمجرد الانتماء، ويرى ضرورة الإنصاف في الحكم والتصنيف والإسقاط. ومنهم من يؤمن بالتعامل مع الهيئات المدنية من جمعيات ومنتديات وغيرها، ويرى ضرورة التعاون معها لرفع الظلم وإحقاق الحق وإن كانت مرجعياتها غير إسلامية، ومنهم من يرى الكفر بكل هذه الهيئات، ويعتبرها صنائع طاغوتية، وألاعيب سياسية، ويحرم التعامل معها في كل الظروف والأحوال، ومنهم من يكفر بالديموقراطية ويكفر تبعا لذلك كل انخراط أو مشاركة في أي وجه من وجوهها، فلا يسلم من تكفيره النواب لبرلمانيون والمستشارون. ومنهم من يشارك هؤلاء هذه الفكرة، إلا أنه يتوقف عن تكفير الأعيان لتخاف الشروط وانتفاء الموانع في رأيه ونظره، ومنهم من يرى جواز العمل السياسي في المؤسسات القائمة، جلبا للمصالح ودرءا للمفاسد ودفاعا عن الشريعة وصونا لحقوق الأمة، وتوسيعا لباب الاجتهاد والسياسة الشرعية، ومنهم من يكفر الحركات الإسلامية، وفي أحسن الأحوال يضللها ويبدعها، وقد لا يفرق بينها وبين الأحزاب اللائكية ويعتبرها حركات تدجين وتخذيل وتثبيط، وصنيعة من صنائع الأنظمة الطاغوتية، وحبلا من حبالها. ومنهم من يرى أن هذه الحركات تمثل حصون الأمة وسدود الممانعة، ويرى ضرورة الاجتماع والتواصل والتعاون معها مع الإعذار والأدب والإنصاف، ومنهم من لا يعذر أحدا من المسلمين في زلة ارتكبها، وإن كان ذلك عن جهل أو خطأ أو غفلة. ومنهم من يوسع جانب العذر، ويغلب جانب الرأفة ولا ينصب نفسه رقيبا على الناس، متتبعا لعوراتهم وزلا تهم. ومنهم من لا يرفع بعلماء الأمة رأسا، ولا يعظم من قيمتهم وأثرهم في الأمة، ولا يعظم إلا من وافق منهجه ورؤيته، وإن كان قليل الزاد والبضاعة، ويعتبر غالبهم من علماء السلطان الذين باعوا دينهم بثمن قليل. ومنهم من يعرف لأهل العلم قدرتهم ومنزلتهم وينشر محاسنهم ويستر أخطاءهم بغض النظر عن مناهجهم ومواقفهم. ومنهم المتعصب لكل الأقوال الفقهية التي أخذها عن شيوخه، معتقدا أنها الحق المطلق الذي ليس بعده إلا الباطل، منكرا على كل مخالف مهما علا شأنه، أو عظم علمه. ومهم من يدرك اختلاف الفقهاء، ويعتبر ذلك سعة ورحمة، ولا يغرق الأمة في خلافات جزئية وفرعية. ومنهم من يغلب في تعامله مع الناس جانب الرفق والكلمة الطيبة والابتسامة الجميلة والأدب الرفيع. ومنهم.ن لا تراه إلا مقطب الوجه، مكفهر الملامح، خشن العبارة، سمج الأدب. ومنهم .ومنهم. . "
رغم طول هذا الاستشهاد، ورغم إغراقه في التفصيلات أو بلغة فقهية في التفريعات فإن مجموع هذه التوجهات يمكن العودة بها إلى توجهين رئيسيين وذلك وفقا لأطروحتها الأساسية:
ـ توجه ينتمي للسلفية العالمية.
ـ توجه يدين بانتمائه للإخوان المسلمين.
1 ـ التوجه السلفي العالمي أو الجهادي
بحسب المتابعين والراصدين لنشأة وتطور التنظيمات الإسلامية تعود ولادة هذا التوجه لامتزاج مدرستين فقهيتين مختلفتين: هما المدرسة الوهابية، والمدرسة المصرية لسيد قطب. فالوهابية التي يعود تأسيسها لمحمد بن عبد الوهاب ( 1703 ـ 1792 ) تستند على الطبيعة الشاملة والأبدية للإسلام، كما فسره ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية. ومن مرتكزاتها الأساسية عقيدة الولاء والبراء، التي تؤدي إلى المفاصلة مع مجتمع الجاهلية. فالولاء كل الولاء للإسلام والبراءة من المشركين وغير المسلمين، ولا يكتمل إسلام المرء عندهم بدون اعتناق هذه العقيدة. وبصدد المدرسة المصرية لزعيمها سيد قطب، فهي المدرسة التي نظرت لنظرية الحاكمية الإلهية كطريق للأخذ بالعنف من أجل تغيير أنظمة الحكم. والمدرستين معا امتزجتا بمفعول حدث استقبال السعودية لفلول الإخوان المسلمين من مصر وسوريا، وهو ما نتج عنه التوجه " السروري " نسبة إلى " محمد سرور بن نايف زين العابدين " الذي مزج بين المدرستين معتبرا أن ما ينقص السلفية هو أن تكون مسيسة وثورية
.
2 ـ توجه الإخوان المسلمين
المكون الثاني من مكونات التنظيمات الإسلامية الحركية في المغرب مكون نبت على الأرض، مع حرب أفغانستان ضد السوفيات، وتمثل في الجهاد الأفغاني الذي يستقي جل مفاهيمه من " أبو الأعلى المودودي «، والذي انتشرت عقيدته عبر المدارس الدينية التي ترعرعت فيها حركة طالبان، وقد كان الإعلان عن تنظيم القاعدة والجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين بمثابة ترجمة واضحة لعقيدة الولاء والبراء الممزوجة بتنظيرات سيد قطب.
في تصوراتهم للجهاد
السلفية الجهادية تيار يؤكد على الربط بين السلفية والجهاد. إذ لا يمكن تصور سلفية بدون جهاد، وهي ترى في القرون الثلاثة الأولى للإسلام خير القرون دعوة وجهادا وحضارة، وفي تعريف السلفية الجهادية للجهاد يذهب أحد روادها الذي يحمل اسم " المقدسي " إلى القول: " … السلفية الجهادية تيار يجمع بين الدعوة إلى التوحيد بشموليته والجهاد لأجل ذلك في آن واحد، أو قل هو تيار يسعى لتحقيق التوحيد بجهاد الطواغيت "
هذه الأطروحة ترى بأن الشرك داخل الأمة من جوانب عدة، وعليه فإنها تقدم التوحيد أو إقامة الحاكمية كهدف وغاية، ليس الجهاد إلا الوسيلة الرئيسية لتحقيقها إلى جانب الدعوة. هذه الرؤى كما يبدو تنسف كافة الأطروحات الدعوية السابقة عليها، سواء تلك التي نأت بنفسها عن الخوض في الوضع القائم، أو تلك التي شاركت فيه. كتلك الحركات السلفية التي لا تتعرض من قريب أو بعيد إلى شرك الحكام والمشرعين والقوانين، بل قد تكون مما يسير في ركاب الحاكمين وتعمل على تتبيث عروشهم، أو تلك التي عبرت عنها أطروحات بعض الحركات الجهادية التي تبوثق جهادها وتحصره في منطلقات وطنية وترفض رفضا جازما وحاسما أن تتعدى بجهادها حدود الوطن.
فالتيار السلفي الجهادي يخالف هؤلاء وأولئك، وهو من أجل ذلك يدعو إلى التوحيد بشموليته، وفي كل مكان. فحيث وجد الخلق شرعت دعوتهم إلى التوحيد بشموليته، وحيث وجدت هذه الدعوة، وجد الجهاد من أجلها وفي سبيلها… إن ميدانه هو الأرض كلها، فتجد أبناؤه مجاهدون في شتى بقاع الأرض.
إن توصيف " المقدسي " هذا يمكن اعتباره نموذجا ممتازا للغوص في أعماق الأطروحة السلفية الجهادية. فإذا ما استبعدنا الجهاد كوسيلة لإقامة الحاكمية، وانطلقنا من التوحيد بوصفه أهم المفاهيم التي تميز السلفية الجهادية. فإن التوحيد بمعناه الشرعي يستدعي الكفر بالطاغوت، فكل من لا يحكم بما أنزل الله فهو كافر شرعا أو فاسق أو ظالم أو كلها معا. وبالتالي فهو مفهوم يحيل السلفية الجهادية إلى مرجعية وحيدة في الحكم على الأقوال والأفعال والنوازل أيا كان مصدرها ومكانها، فإذا ما وافقت الشريعة كان بها، وإلا فهي قطعا باطلة ومنبوذة ومحاربة. وبالتبعية فإن السلفية ستجد نفسها في واقع التصادم مع منتجات الحضارة الراهنة إبتداءا بالنظم الفكرية والإيديولوجية والدينية والأخلاقية. وانتهاء بكل تجلياتها المادية من هياكل وبنى. فالقضاء منظومة قانونية ودستورية وضعية، والحكم في الدولة يستند إلى مؤسسات تشرع من دون الله، والتعليم غيب العلم الشرعي، وأنتج علماء وفقهاء يشرعون للوضع القائم، والاقتصاد تحركه قوانين الربا، والتجارة بيد نخبة تمارس الاحتكار والهيمنة والربح غير المشروع، والثقافة غربية الطابع، والعلاقات الدولية مرهونة بإرادات القوى العظمى ومصالحها.
وإلى جانب عقيدة التوحيد في فهم الجهاد لدى السلفية الجهادية، توجد عقيدة الولاء والبراء. فهما المعيارين المعتمدين في قياس مدى نقاوة التوحيد لدى الأفراد والجماعات الإسلامية. ووفق هذين المعيارين رأت السلفية الجهادية في الحكام " طواغيت " هم ومن والاهم وساندهم أو شرع لسلطانهم ودعم تشريعاتهم، لكن مع التفصيل في الأمر فقهيا، فمن كان كفره ظاهرا أو خفيا أو نحو ذلك. ووفق هذه العقيدة فالمسلم الموحد ملزم بمبدأ الأخوة الإسلامية بديلا عن الأخوة الوطنية، وملزم بالنصرة بديلا من التخذيل، وملزم بالنصح لإخوانه بديلا عن تتبع عوراتهم، وملزم بالحاكمية بديلا عن التشريعات الوضعية. وذروة عقيدة الولاء والبراء تصل مداها الأقصى في النماذج التطبيقية. فما تراه بعض الجماعات والعلماء مسائل خلافية تحتمل التأويل والتفصيل، تراه السلفية الجهادية تمييعا للعقيدة وتخذيلا أو إرجافا أو إرجاء.
وهكذا يتبدى واضحا أن السلفيات المتعددة التي سبق لشاهد يعيش معها في السجن وهو " أبو حفص " والتي يشهد على تنوعاتها واختلافاتها، تبقى في العمق هذه الاختلافات مجرد اختلافات شكلية، لا تمس جوهر المعتقد الذي يعتقد بالتوحيد في شموليته، وبالولاء والبراء، وهو المعتقد الذي أضفى على تصورهم للجهاد طابعا خاصا لم يقل به القدماء من فقهاء الإسلام ولا المحدثون منهم.
أستاذ العلوم السياسية، فاعل مدني ومدير مجلة وجهة نظر*

