كتاب البديل

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة 22 موضوعها (مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية والمسلمة) مع حسني عايش

يؤمن الذين يتحدثون في الديموقراطية أو لها وعنها، والذين يدعون إلى تبنيها بأن الديموقراطية هي الحل وسبيل الخلاص إلى أجل ٍ غير مسمّى . وعليه يجدر بنا بل يجب علينا تحديد معالم هذه الديموقراطية، لنعرف عن ماذا يتحدثون، وأن نتحدث بالتصريح لا بالتلميح .

 الديمقراطية المقصودة أوالمرغوب فيها

يختلط الأمر – ديموقراطيا ً – على الناس وحتى على كثير من المثقفين، فلا يفرّقون بين الديموقراطية الأصيلة   (Genuine Democracy)والديموقراطية الزائفة أو الفاسدة(False/Corrupt Democracy)  والديموقراطية المراوغة(Manipulative Democracy)  أو ديموقراطية التنورة (Skirt Democracy) كما يسميها الأستاذ سين ل.يوم (MERIA, Vol..No.4 December,2005) أو الديموقراطية الجزئية (Partial Democracy ) أو الديموقراطية الدفاعية  (Defensive Democracy) أو الديموقراطية المصغرة (Micro Democracy) أو الأتوقراطية الملبررة (Liberalized Autocracy) كما يسميها الأستاذ دانيال برومبيرج(Carnegie Endowment  Working Papers,No.37 may, 2003 ) حيث الإصلاح السياسي جزئي وانتقائي، ويستعير من الديموقراطية فقرتها الانتخابية، وليس العملية الديموقراطية وأركانها، ويسمح بقدر من المساحة السياسية، أو بالحرية والمعارضة المقيدتين، ويستخدم سياسة فرّق تسد …التي تُغطي – أحيانا ً– بمراكز حكومية لحقوق الإنسان كما يفيد الأستاذ يوم تنتهي بما يسميه الأستاذ برومبيرج بفخ (Trap)  الأوتوقراطية الليبرالية أو العسر السياسي (غير المنتج للديمقراطية الأصيلة) .

 ويضيف : ” أن هذا الإصلاح السياسي الجزئي ليس من الديموقراطية في شيء، بل هو أوتوقراطية ملبررة هدفها تنفيس الضغوط المتراكمة ( وكأن المجتمع طنجرة بخار ينفسها كلما كادت تنفجر أو يضعها على الأرض إلى أن تبرد ) ليبدأ مرحلة جديدة لاكتساب شيء من شرعية الإصلاح والمحافظة على البقاء وليس إطلاق الديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمعارضة القوية . ربما لأن الحكام المتغطرسين والمترددين يرون في الديمقراطية ثقبا ً أسودا ً يمكن أن يبتلعهم أو يحجم سلطاتهم وسبيلا ً للفوضى والعنف “.

وإذا كان الأمر كذلك فإن للديمقراطية الأصيلة ثلاث طرق

1-   بالإرادة السياسية الصلبة الصادقة الملتزمة بكل عملياتها أي كاستراتيجية لا رجعة عنها

2-   بالتطور                                                                                                     

3-  أو بالثورة: Revolution أو بالعنف Violence وهو ما لا أحبذه ولا أدعو إليه

وتتميز الديمقراطية الأصيلة  بما يلي

1 – الشعب مصدر السلطات والمصدر النهائي للتشريع والقوانين بالفعل لا بالشكل أو النص فقط .

 2 – الفصل بين السلطات و الرقابة المتبادلة بينها .

3 –   تداول السلطة في مرحلتي الذهاب إليها و الإياب منها إليها، أي احترام حق الناس في اختيار من يحكمهم و خضوع المنتخبين للمساءلة .

 4 –  السلطة و المسؤولية متلازمتان .

5 –   بالتعددية بأوسع معانيها وأشكالها، وبالأحزاب … ومؤسسات المجتمع المدني والصحف ووسائل الإعلام، تـُسجّل للعلم ولا ترخص .

6 –  بحرية تعبير سقفها السماء والحَكـَم فيها هو القضاء، أي بفك الارتباط ( المشبوه ) بين الحرية والمسؤولية (الحرية المسؤولة ) كما تراه إدارة الإعلام أو المطبوعات أو الأمن أو المخابرات، وبإقامته بينها وبين القضاء النزيه والعادل، دون أن يعني ذلك أن الحرية تعفى من المساءلة . إن الحرية والمسؤولية متلازمتان ولكن ربط الحرية أو المسؤولية عنها بالقضاء يكبل إدارات الإعلام والمطبوعات والأجهزة الأمنية في تفسيرهما على هواها، ويوقف استباق القضاء في تقرير مصير أصحابهما . 

7 –  قاعدة الأكثرية الملتزمة باحترام الحقوق الإنسانية للأقليات و بحقوق أقل هذه الأقليات وهو الفرد / المواطن بالإعتراف بها وقبولها بالسماحة لا بالتسامح، فالتسامح فضيلة خادعة إذا تجاوزت الحقوق الشخصية إلى الحريات العامة المدنية و السياسية .

8 –  تكافؤ الفرص الديموقراطية وتكافؤ التمثيل بين مختلف فئات المجتمع وبين المرأة والرجل.

9 –  المعارضة السياسية فيها مخلصة للوطن، بمعنى أن جميع الأطراف السياسية تشترك في الإلتزام بالمبادئ الديموقراطية الأساسية والتعاون في حل المشكلات العامة، وأن السياسيين وإن كانوا متنافسين ولا يحبون –  الضرورة – بعضهم بعضا ً إلا أن كلا ً منهم يتحمّل الآخر  ويعترف بشرعيته أو بدوره المشروع ويقبل الخاسرون النتيجة أي قرار الناخبين، وأنهم لن يفقدوا حياتهم أو يودعوا السجن، بل بالعكس يستمر المعارض بالمشاركة في الحياة العامة لأن ّ دور المعارضة أساسي لأنها مخلصة للمشروعية الديموقراطية للدولة، وليس لسياسات الحكومة.

10 – الديموقراطية الأصيلة صاخبة وشديدة الجلبة : كلما كانت الديموقراطية صحية وقوية اشتد صخبها وبدا للسذج أن المجتمع أو الدولة على وشك الانهيار مع أن الأمر بالعكس، لأن الناس وإن كانوا ينشدون الأمن والسلامة والحرية والمساواة … إلا أنهم يحبون المغامرة والمناكفة أيضا ً. ولذلك تنشأ توترات وتناقضات ظاهرية وحقيقية بل وصراع وتوافق وتنازلات بين الأفراد والأحزاب … والحكومة والمعارضة في كل مجتمع ديموقراطي . وإن دل ّ ذلك على شيء فإنما يدل ّ على حيوية الديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وتطورهما نحو مستويات أعلى .

 لعل هذه الحالة الديموقراطية الصاخبة أو الحيوية غير المألوفة في بلاد العرب و المسلمين هي التي تجعل أعداءها فيها يخشون الديموقراطية و يحاربونها أو يدعون إلى تقييدها أو يقبلون بجزءٍ أو فقرة ٍ منها أو يزيفونها. ربما لأنهم نشأوا في أطر اجتماعية و تعليمية وسياسية أبوية / ديكتاتورية وتعودوا على الصمت والخمول والانصياع حيث لا إبداع ولا ابتكار ولا حيوية أو حراك، فالديموقراطية صيغة (Figure) تبرز في خلفيةBackground )  ) وهي الثقافة السائدة في المجتمع . وللأسف فإن الصيغة الديموقراطية البارزة في بلاد العرب والمسلمين عبارة عن إجراءات شكلية (انتخابية) أو آلية.أي أن الديموقراطية العربية والمسلمة مجرد آلية لإجراء الانتخابات الزائفة في معظم الأحيان، وليس إفرازا ً أو ثمرة لثقافة وقيم ديموقراطية راسخة في المجتمع . وبالرجوع إلى التاريخ الديموقراطي نجد أنه يسبق كل إنطلاقة ديموقراطية أرضية فكرية مؤاتية تمهد لها أقامها المفكرون الديموقراطيون وراكموها. لكن هذا لا يعني التريث أو انتظار التطور إلى حين تتكوّن الأرضية أو إلى حين وقوع الثورة لتحدث، بل الدفع نحو تكوين إرادة سياسية تلتزم بها، وإلا كان مَثـَل المنتظرين لنشوء أرضية ديموقراطية تلقائية مثل الذي يرفض النزول إلى الماء قبل تعلـّم السباحة .

      من هنا يقع الكثيرون في الخطأ أو في الزيف عندما يماثلون (الإجراءات) الديموقراطية بالديموقراطية. إن الديموقراطية ثقافة وقيم تكوَّن عليها الفرد والمجتمع. إنها سلسلة كاملة من العمليات المؤسسية وغير المؤسسية القادرة على إحداث التغيير السياسي وضمان الحرية والمساواة والعدل في المجتمع. إنها جزء رئيس من هوية الفرد والمجتمع في الغرب الديموقراطي التي لا يستطيع أن يتصور نفسه بدونها، لأنها تشكل المدماك الرئيس من هويته أو ثقافته الذي لا يهدمه حتى وإن برزت أحيانا ً ممارسات غير ديموقراطية في مجتمعه. المدماك المفقود بعد في ثقافة أو هوية العربي والمسلم .

 إن الديموقراطية الأصيلة هي مصدر مناعة المجتمع والدولة داخليا ً وخارجياً لأن مصدر التحكم في مصير الفرد ومصير المجتمع والدولة (Locus Of Control) ينتقل بالديمقراطية من خارج الفرد و المجتمع إلى داخل كل ٍ منهما. و بما أن مركز التحكم هو مصدر السيطرة على السلوك والموجه له، فإن انتقاله من خارج الفرد والمجتمع إلى داخله يجعل كلا ً منهما مسؤولا ً عن تقرير مصيره . لعل التحول الأكبر أو الأعظم الذي وقع في أوروبا إبان النهضة وبعدها كان نتيجة انتقال مركز التحكم عند الفرد والمجتمع فيها من الخارج إلى الداخل و من فصل الدين عن السياسة لا عن الدولة كما يزعمون . ولعله لذلك لا يريد أعداء الديموقراطية الأصيلة أن تنشأ وأن تستقر وتصبح طريقة حياة وبقاء في بلاد العرب والمسلمين، وإن ينتقل مركز التحكم من خارج الإنسان والمجتمع العربي والمسلم إلى داخله .

   وأستغل هذه المناسبة لأقول: قد يشكل التزام الأحزاب الإسلامية بالديمقراطية قلبا ً وقالباً وفي مرحلتي الذهاب إليها والإياب منها (تداول السلطة ديموقراطيا ً) مكسبا” عظيما” للديمقراطية في بلاد العرب والمسلمين. لقد بدأت الأحزاب المسيحية الديموقراطية بالظهور في المجتمعات الكاثوليكية في القرن التاسع عشر، معارضة لسلطة الكنيسة لا بتأييد منها لها . ومثلما هم عليه الأصوليون الإسلاميون اليوم لم تقبل الكنيسة آنذاك الفصل بين الكنيسة والدولة أو بمشروعية الوجود السياسي الخاضع لقاعدة الأكثرية وليس للقانون السماوي ( الله ) . وقد احتاجت الكنيسة ومعظم الكاثوليك إلى وقت ٍ طويل وحروب كثيرة محلية وإقليمية وقارية وعالمية، وكذلك إلى فقدان جميع المناطق أو الدول التي كانت تحكمها مباشرة لترويض أنفسهم على التعايش مع ظاهرة الأنظمة الديموقراطية العـَلمانية. وعليه أعتقد أنه ما لم نتعلـّم من تجارب مَن سبقونا في هذا الأمر فإن المشوار العربي والمسلم إلى (ثقافة) الديموقراطية العـَلمانية الإنسانية وقيمها التي تحترم كرامة الإنسان و حقوقه طويل جدا ً . وربما يحتاج إلى قرون أو  إلى القرن الواحد والعشرين الهجري لنصل إلى المستوى الديموقراطي الغربي القائم اليوم لأنه – كما يبدو –  لا يتعلم فرد أو حزب أو شعب من أخطاء غيره فيكررها .

إن تكوين الثقافة والقيم الديمقراطية وانتقال مركز التحكم من الخارج إلى الداخل، ليس بالأمر اليسير أو السريع، فالإجراءات الديموقراطية يمكن أن تتم بسرعة لكن الثقافة الديموقراطية والقيم الديموقراطية وانتقال مركز التحكم إلى الداخل يحتاجان إلى وقت طويل جدا ً ليرسخا. كما أن الديموقراطية لا تعمل في فراغ : يجب أن يرافقها ويعززها تعليم ديموقراطي يقوم على حرية التفكير، والتعبير، والتفكير الناقد الذي هو ” مصدر الكمال الأخلاقي والمواطنة المسؤولة ” والفلسفة ونظريات المعرفة والأنشطة المعبرة عن ذلك بممارسات ديموقراطية في الفصل والمدرسة والكلية والجامعة، أي تعليم يحرر و لا يهيمن، و يستلهم فلسفة ابن عربي :

  لقد كنت قبل اليوم أنكر صـاحبي     :          إذا لم يكن  ديني إلى دينه دانـــي

فقد صار قلبي قابلا ً كلّ صـورة     :         فمرعى ً لغزلان ودير ٌ لرهبــان ِ

وبيت ٌ لأوثان ٍ وكعبة ُ طائـف ٍ     :  وألواح توراة ٍ ومصحف قـرآن ٍ

أدين بدين الحـــب أنـّى توجـهت      :         ركائبه فالحب ديني و إيمـــــاني

ويجب أن تدعمها مؤسسات مجتمع مدني قوية ومستقلة، وصحافة حرّة، وإعلام مفتوح وغير مدجّن، وقضاء نزيه وعادل، ودولة تلبي الحاجات الأساسية أو الضرورية للناس من الغذاء والكساء والمأوى والأمن لتتعزز وتزدهر، فعندئذ ٍ يمكن للديموقراطية استيعاب التطرف والمتطرفين وتصريف طاقاتهم سلميا ً (لأنه لا يجوز محاربة التطرف بالتطرف أو الإرهاب بالإرهاب). وفي جميع الأحوال فإنه لا يجوز جعل الديموقراطية رهينة للأمن أو للإرهاب أو مقيدة بقدرهما . يجب أن تظل عاملة وفاعلة وقوية لضمان الأمن وكبح جماح التطرف والإرهاب . 

وأكرر هنا قولي : لا تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به غيرها وهو:العقلانية، والديمقراطية، والعلمانية، والمعرفة ( العلوم والتكنولوجيا )، فهل نحن مدركون ؟!

 

مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية والمسلمة

تعاني الديموقراطية المرغوب فيها في البلدان العربية والمسلمة من الصد والرّد، والتشويه المتعمد، ومن تزييف وعي الناس بها بمقابلتها بالشورى في كل مرة يرتفع فيها مدها (1) . ولذلك فإن مستقبل الديموقراطية في الوطن العربي، بالمعنى والمبني الذين أشرت إليهما بعيد المنال وضعيف الاحتمال . ولكن الوطن العربي لن يشذ عن القاعدة إلى مالا نهاية، لأن ( تماثله) في المنهج الاقتصادي – إنتاجا ً واستهلاكا ً – والمنهج الإعلامي، والتحديات والحلول . غير أنه بدلا ً من اختصار المسافة أو الزمن والكلفة بالاستفادة من تجربة الغرب ومسيرته، وتجنب أخطائهما وكلفتهما، ­­­­­­­­­يكررهما (بالحروب الدينية والأهلية…) كما هو حادث الآن . ولعل ّ ذلك يعود للعوامل والأسباب التالية :

1 – معاداة الثقافة العربية الإسلامية للديموقراطية

 وإلى أن تصبح الديموقراطية جزءا ً من هذه الثقافة وجزءا ً من هوية الفرد والمجتمع، فإن ذلك سيحتاج إلى وقت طويل جدا ً . إن الشارع العربي ينتمي إلى الوعاظ والمعلمين والمعلمات والأساتذة والأستاذات والإعلاميين والإعلاميات والسياسيين و السياسيات المعادين للديموقراطية مصطلحا ً ( مع أنه تعبير عن آيات الله : ” ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم . إن في ذلك لآيات ٍ للعالمين ”  ( 30 / 22 ) ) ومنهجا ً )مع أنها كانت معروفة (منهجاً) في مكة قبل الإسلام في إدارة شؤون الكعبة والمدينة وسوق عكاظ، وفي دولة سبأ : ” قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا ً حتى تشهدون ” ( 32 / 27 )(  الذين يبررون رفضهما وتكفير الداعين إليهما بالاستناد إلى قوله تعالى: ´ومن لم يحكم بما أنزل اليه فأولئك هم الكافرون” (44/5)                                                                                                                          

” ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الظالمون” (45/5)

” ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الفاسقون” (47/5)

     وإن كانوا يسكتون عن هذه الآيات وغيرها في حوارات الأديان باستحضار آيات أخرى : ” وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (29/18).” ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة …” (48/5)” لكم دينكم ولي دين”(6/108).

    أما “السلفيون الحركيون” أو ” سلفية الاسكندرية ” فيرفعون شعار: الإسلام هو الحق ” إن الدين عند الله الإسلام” وأن المشاركة في الانتخابات – كما يفعل سلفيو الكويت والإخوان المسلمون (الإسلام هو الحل) – تضحية بعقيدة التوحيد، .    أما منهجهم في التغيير فيقوم على ثلاث مراحل وهي: 1- مرحلة لتصفية: تصفية عقائد الآخرين مما يعتبرونه مخالفة شرعية، وإقناعهم بالمنهج السلفي في الحياة.2- مرحلة التربية لجعل المواطن سلفياً صالحاً.   3- مرحلة التمكين الشامل دون انتخاب أو انقلاب” (روز اليوسف 14-20/6/2008 العدد 4175).

2 – تبعية مؤسسات المجتمع العربي المدني للحكومات

 تعتبر مؤسسات المجتمع المدني التربة أو البنية التحتية اللازمة لانطلاق الديموقراطية في أي مجتمع معاصر . و بما أن المؤسسات المدنية العربية لا تزال عاجزة عن تكوين الكتلة الحرجة المؤيدة للديموقراطية فإن مستقبل الديموقراطية في الوطن العربي سيظل غامضا ً .

إن أيكولوجية السيطرة على الحياة المدنية في الوطن العربي في رأي الأستاذ و الباحث سين .ل .يوم ( MERIA, Vol .9, No.4 , December 2005 ) تتكون من ثلاثة مداميك أو أجزاء و هي :

أ – القمع الناجح أو الملفت للنظر لمؤسسات المجتمع المدني و دعاة الديموقراطية الذي توفره قوانين الطوارئ للحكومات، لدرجة أنه يقال : لقد فشلت أنظمة الحكم العربي في كل شيء ولكنها نجحت نجاحا ً منقطع النظير في القمع . و بسببه فشلت مؤسسات المجتمع العربي في تكوين كتلة حرجة من المتطوعين المنضمين إليها، الداعين إلى الديموقراطية والمطالبين بها لأنها :

  1. غير مستقلة تماما ً عن الحكومات
  2. لأن أجندات كثير منها غير ديمقراطية
  3. و لأنها عاجزة عن إقامة أوسع التحالفات الديموقراطية مع نفسها

ب – التضييق القانوني و الإداري و الأمني الإستباقي عليها كي لا تتحول إلى تهديد للنظام القائم

ج – إقامة مؤسسات بديلة ( عميلة ) ممولة جزئيا ً أو كليا ً من الدولة لجعل مؤسسات القطاع المدني أدوات بيد الحكومات، لاعتمادها في بقائها عليها . و بدوره أدى إلى ما يسميه الباحث بالعجز في المصداقية (Credibility Deficit ) عند هذه المؤسسات و ابتعاد المواطنين عنها أو نفورهم منها، لأنها لم توفر منابر ديموقراطية لهم لمتابعة مصالحهم المشتركة ـ و تعلـّم القيم الرئيسة للديموقراطية كالمشاركة و العمل الجمعي … و هو ما دعا الباحث ( يوم ) للتساؤل : لكن ما الذي يجعل القسر أو الإكراه أو العنف ( العربي ) قليل الكلفة ؟ يجيب على هذا التساؤل بالقول: إن أقوى تفسير ملزم لذلك يأتي من أطروحة الدولة الريعية . إن كثيرا ً من الأنظمة العربية موجود في دول تتلقى معونات  كبيرة من الخارج، أو من عائدات النفط و ليس من الإنتاج الوطني و الضرائب المتحققة عليه، مما يجنب النخب العربية و المؤسسات المدنية  و لأحزاب السياسية الكثير من المطالب أو الضغوط الداخلية، لأن دور الدولة يصبح توزيع الثروة السائلة و ليس تكوينها و عدم إعتماد الموازنة الكامل على الضرائب . و من المتفق عليه أن القاعدة المعروفة (الأولى) لا ضرائب دون تمثيل  (No Taxation) without Representation ) لم تصل بعد إلى مسامع العرب و المسلمين  فما بالك بالقاعدة الثانية الجديدة التي تقول: لا تمثيل دون ضرائب(No representation without Taxation)  كما يفيد الأستاذ مايكل مور بمعنى أن الدولة لن تكون مضطرة للاستماع إلى المواطنين ومساءلتهم لها ما لم تكن قائمة على الضرائب التي تجبيها منهم (D+C,No. 2,2007). لعل العلاقة بينهما هي التي جعلت بعض الباحثين يربط بين مستوى دخل الفرد والضرائب التي يدفعها واستمرار الديموقراطية، و إن كانت الهند تشذ – ربما بالإرادة السياسية – عن القاعدة الأولى .

   وفي رأي آخرين إن الانطلاقة الديموقراطية في إندونيسيا، وبلدان الكتلة الشرقية التي كانت تابعة للإتحاد السوفييتي، ما كانت لتحدث لولا الفشل أو الانهيار الاقتصادي لأنظمتها الحاكمة .

3 – تنافس الدعوة الى الديموقراطية بالحقوق المجردة (Abstract Rights) كالحرية  والمساواة والعدل وتداول السلطة … وعملياتها ( Processes )  مع حركات أو جماعات… رافضة للديموقراطية ولكنها  تعد بالمادي أو الملموس (Tangible Benefits)، الذي تعبر عنه سريعا ً بخدماتها الاجتماعية والصحية والتعليمية والمالية … عبر مؤسساتها المدنية، و بما هو أعظم منها وأبقى أي بجنة عرضها عرض السماوات والأرض أيضا ً، لا يجرؤ أحد أن يجادل فيها . ومن هنا تنبع قوة الحركة أو الجماعات… الإسلامية السياسية أو الإسلام السياسي – وكذلك اليمين المسيحي وغيره من الأصوليات – وتفوقها على منافسيها السياسيين جماهيرياً. لكن استخدام هذه الخدمات لأغراض سياسية يخرجها عن هدفها الأصلي أو الديني، ويجعلها أشبه برشوة سياسية مسبقة. فما بالك إذا كانت الحركات أو الجماعات الإسلامية… محكمة التنظيم، والأحزاب والجماعات … غير الإسلامية تابعة للنظام أو فاقدة للمصداقية أو غير منظمة !!

4 – السلطوية القوية: يدعي كل حزب أو حركة سياسية … في الوطن العربي أنه الأفضل لحكم البلاد، والأمين على مستقبلها، فلا يقبل بأريحية أو عن احترام حقيقي الرأي الآخر، أو تداول السلطة .

ويبلغ التسلط الأوج عند الإسلاميين ادعاؤهم … بامتلاك الحقيقة المطلقة، والقول: أن منهجهم رباني ( على الرّغم من تعدد تفسيراته وأحزابه وحركاته وجماعاته ) وأنه لا يجوز للإختيارات البشرية التناقض معه. إن ذلك يعني في بداية التحليل وفي نهايته إلغاء الآخر المخالف أو المختلف سواء أكان شخصا ً أو فكراً أو  رأيا ً أو حزبا ً … (أو شعباً أو أمة).

وبما أن الأحزاب والحركات والشعوب لا تتعلم – كما يبدو – من تجارب غيرها لتتجنب الكلفة (التاريخية)  للتطور الديموقراطي فإن الأحزاب والحركات الإسلامية … – في اعتقادي – لن تتعلم من تجارب الأحزاب المسيحية الأوروبية من دون دفع الكلفة .

وإذا كان الأمر كذلك فإن مستقبل الديموقراطية المرغوب فيها في البلدان العربية المسلمة بعيد جدا ً، وستظل سجينة نمط ثابت من الحكم والإسلام السياسي الذي يصعب تجاوزه .

5 – الإلتباس الناشيء عن الخلط بين التحديث(Modernization والدمقرطة  (Democratization)

يخلط الناس ( جهلا ً ) والحكومات ( عمدا ً ) والمثقفـون (إنتهازية أحياناً) بين عمليات أو أشكال التحديث التي تقوم بها أنظمة الحكم، والدمقرطة، مع أنها ليست – إجمالا ً – من الديموقراطية في شيء .

6 –  الإلتباس الناشيء عن الخلط بين ديموقراطية الاستهلاك و الديموقراطية السياسية : تركز الرأسمالية (الأمريكية ) المتوحشة على توسيع الإستهلاك باضطراد، حتى لا تتوقف عجلتها . ونتيجة لذلك يرى الناس في تنوع السلع التي تعج بها أرفف البقالات والأسواق والمولات مجالا ً واسعا ً للإختيار، مما يجعلهم يحسون – بخداع ذاتي – بالحرية والديموقراطية .

     والحقيقة أن نزعة الإستهلاك انتقلت إلينا بقوة في السنوات الأخيرة بالإنفتاح والعولمة وأن مراكز التسوق الجديدة أخذت تحل محل مؤسسات المجتمع المدني والمرافق والميادين والحدائق العامة التي يجتمع فيها الناس ويتلاقون ويتحدثون وإن كانت بغياب المجتمع المدني القوي، كالمراكز لا تزيد من وعيهم السياسي .

تســــاؤلات

1 –   هل تساعد خيبة أمل الشعوب العربية في الأنظمة الديكتاتورية أو الشمولية على إعطاء دفعة جماهيرية قوية للديموقراطية ؟ أم أن عليها أن تنتظر إلى حين فشل أنظمتها التام إقتصاديا ً ؟ كيف نجعل الناس أو المسلمين يفسرون الظواهر والأحداث علمياً لا دينيا ً لأنه كلما وقعت أزمة وكارثة أو هزيمة سارع رجال الدين إلى تفسيرها – دينياً – بالابتعاد عن الدين وإعادة الناس إلى المربع الأول . إن هذا طبيعي أو عادي في المجتمعات غير المستقرة أو غير الناضجة كما يرى علماء النفس والاجتماع (اوجست كونت).كما أن كل ثقافة أو أمة تشعر أنها محاصرة أو مهزومة تعود إلى الغيبيات، وكلما اشتدت الهجمة على الإسلام في الغرب أو من الغرب زاد تمسك المسلمين به، ولجوء بعضهم إلى التطرف فيه .

2 –    إلى أي مدى يؤثر ديموقراطيا ً ( سلبيا ً أو إيجابيا ً ) وجود إسرائيل في قلب الوطن العربي، على الحركة الديموقراطية العربية ؟ لعل ذلك يدعونا عند التفكير في الإجابة على هذا السؤال، إلى ما يلي :

  • البعد العنصري لديموقراطيتها.
  • مدى صدق أو كذب الضغوط الأمريكية والأوروبية على البلدان العربية والمسلمة لتبني الديموقراطية          واحترام حقوق الإنسان
  • تأثير هذه الضغوط السلبي أو الإيجابي على الجماهير العربية والنخب ديمقراطياً

إن الشعوب العربية و أجزاء من نخبها الثقافية والديمقراطية تشك في نوايا الغرب ( الازدواجية ) بما في ذلك نواياه الديمقراطية لها، لكن ذلك لا يعفيها من مواصلة الضغوط لتحقيق ماغناكارتا ديمقراطية عربية (واحدة على الأقل ) لتحدث الإنطلاقة.

وفي الختام نقول: : إن مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي في المدى المنظور معتم، وأنه لن ينير أو يستنير بدون صياغة ثقافة وقيم وممارسات ديمقراطية مستدامة وقوية في الأسرة والمدرسة  والجامعة  والإعلام  و المجتمع، ومن إرادة سياسية صلبة – منعا ً للثورة ا و العنف – وتلبية حاجات الناس الأساسية من طعام أو كساء و سكن وأمن.     *  كاتب وصحفي فلسطيني من الأردن 

 

 

 

 

 

  1. لم توجد الشورى كعملية (process) مستقرة في التاريخ العربي الإسلامي. وان كانت الشورى او التشاور حالة يومية في كل جماعة ومجتمع. ويذكر المفكر الإسلامي حسين احمد أمين  أن أبا بكر (رضي الله عنه) لم يستشر أحداً عندما عين عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) خليفة على المسلمين من بعده. كما لم يستشر عمر (رضي الله عنه) أحداً حين عزل خالد بن الوليد من القيادة (روز اليوسف: 3-19/8/2005 العدد 4027).

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى