قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 23 موضوعها (من أجل مقاربة لحقوق الإنسان قائمة على النوع الاجتماعي) أو ( أو كيف ننتقل من علاقات هيمنة إلى علاقات مؤسسة على الحوار والتشاور) مع مارغريت رولاند

كيف نواجه العنف، سواء كان صادرا عن الدولة أو عن جماعات متطرفة داخل المجتمع ؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال، أريد الانطلاق من سؤال مركزي يخترق كل النقاشات. إنه ينصب على الرهان المتضمن في كل الخطابات المنتجة حول حقوق النساء وحول المكانة التي تحتلها أو ينبغي أن تحتلها النساء داخل مجتمعاتنا في حوض البحر الأبيض المتوسط، ما دام صحيحا أن هذه الإشكالية تهم بلدان الشمال كما بلدان الجنوب.
لكن لماذا التأكيد على المسألة الخاصة بالنساء ؟ لأن مجتمعاتنا تسير وفق نموذج أبوي مؤسس على علاقات هيمنة تبدأ داخل الأسرة، في العلاقات بين الزوج وزوجته، الأب وابنته، والأخ وأخته. فهذا هو النموذج الذي يريد تعزيزه القائمون على شؤون دولة مؤسسة على الشريعة، تماما كالمدافعين عن نظام أخلاقي مؤسس على الدين الكاثوليكي، عندما يتعلق الأمر بسن قوانين حول الإجهاض أو حق التبني بالنسبة للأزواج المثليين.
فهنا تتأسس النواة الصلبة لهذه العلاقات التي تحكم المجتمع في كليته، سواء تعلق الأمر بالعلاقات داخل عالم الشغل، أو في العلاقات التي تقيمها الدولة مع المجتمع، باسم عنف يزعم أنه شرعيا، على المستوى الوطني، لكن أيضا على المستوى الجهوي أو الدولي، فهناك حيث تتقاطع صور متعددة من الشمال و من الجنوب، وتتواجه باستمرار، فيما وراء الحدود الرمزية المرسومة بفقر و بؤس جزء من الساكنة، في مواجهة جزء آخر ما يفتأ يضاعف ثرواته. وليست الحدود والأسوار المسيجة بالأسلاك الشائكة والخرسانة، التي تريد أن تفصل العالم المسمى غربيا، عن جنوب ينظر إليه كتهديد، التي يمكنها أن توقف ذلك .
فلنعد النظر إذن في العلاقات التي تحكم الرجال والنساء داخل الأسرة، و في كل العلاقات الاجتماعية التي تؤسس النظام الذي نشتغل داخله. فما يفسر الدور الموكول للنساء، والمتمثل في إعادة الإنتاج، بالمعنى المادي للكلمة، لكن أيضا بالمعنى الرمزي، لأن النساء تعيد إنتاج القيم والنماذج التي يبدعها الرجال وتضمن الحفاظ عليها. و لأن هؤلاء النساء ينتمين في نفس الآن إلى جماعة “النساء” وإلى واحدة أو إلى عدة جماعات قومية، دينية، قبلية أو طبقية، فإنهن يضطلعن بهذه المكانة التي توكل إليهن. يمكن أن نأخذ كمثال النساء البيض في إفريقيا الجنوبية في ظل نظام الابارتايد أو الفرنسيات في البلدان المستعمرة. ففي أي جانب كانت النساء ؟
هل جانب أزواجهن أو جانب خدمهن السود أو العرب ؟ وماذا نقول عن النساء رئيسات المقاولات أو الوزيرات ؟ وهل تدافع الوزيرة الفرنسية رشيدة داتي حقا، عن مصلحة النساء المنحدرات من أوساط المهاجرين، عندما تساند قوانين يغلب عليها الهاجس الأمني و خانقة للحريات ؟
فغالبا ما تؤجل النساء مطالبهن من أجل حقوق و مساواة أكثر، إلى ما بعد، وذلك باسم الانتماء- الموكول إليهن أو الذي يطالبن به- إلى تجمع أو جماعة ما. بل كانت النساء ملزمات في الماضي بإعطاء الأولوية للصراع الوطني خلال الاستعمار، وبالخضوع للنظام الأبوي المبرر بالدين، مخافة التعرض لخطر الاتهام بالتغريب أو بالانتماء إلى “حزب فرنسا” في الجزائر. وباختصار فهن هنا أولا، من أجل الدفاع عن جماعاتهن بوضع حد للظلم الذي يتعرضن له يوميا و بتربية أبنائهن على معتقد الرجولة والقوة، إلى أن تجعلن منهم رجالا مستعدين للموت من أجل الوطن، كما قالت جداتنا خلال الحربين العالميتين، أو الأمهات الأمريكيات اللواتي مات أبناؤهن في الفيتنام في الماضي، وفي العراق أو أفغانستان اليوم، وكما تقول أيضا الأمهات الفلسطينيات اللواتي يصنعن أطرا لصور أبنائهن الشهداء.
إنهن مرتاحات لهذا الموقف، بالنظر إلى أنه من أجلهن- هن النساء- يكون الرجال مستعدين لقتل الآخر، ذلك الذي يهدد الأمن، حرمة أو حرية النساء، وخصوصا ذلك الذي لا ينتمي إلى نفس الجماعة. فهكذا بعد اعتداءات 11 شتنبر، حولت الولايات المتحدة غزو وتدمير أفغانستان إلى بعثة من أجل إنقاذ نساء كابول، في حين أن هذا العدوان أملته أساسا المصالح الإستراتيجية والاقتصادية.
وبينما تتواصل الحرب الصليبية للخير ضد الشر في العراق، فلسطين أو في غيرهما من بقاع العالم، تتشكل تحالفات مع أنظمة شمولية، تبرر خضوع النساء بواسطة قيم عربية – إسلامية، مع التلويح في نفس الآن، بخطر التطرف والإرهاب. إذ يمكنها هكذا أن تفرض على كل مجتمعاتها، بما في ذلك النساء، سياسات يغلب عليها الهاجس الأمني أكثر فأكثر، وأن تجعل من حماية النساء والمجتمع حجة من أجل تبرير حماية اقتصاد الريع المكتسب من طرف جزء من الساكنة على المستوى الوطني، الجهوي، والدولي. فالمظاهرات التي تجري حاليا في سيدي افني بالمغرب، وفي ريدييف، في الحوض المعدني لغفسة بتونس أو في وهران بالجزائر، وعنف القمع الذي جوبهت به، هي هنا من أجل أن تبرز ما تصلح إليه هذه السياسات التي تنفذ خلال السنوات الأخيرة، في ضوء القوانين المناهضة للإرهاب.
لكن الاعتقاد بأن مثل هذه السياسة هي الطريقة الوحيدة لتوجيه العنف الفعلي، للجماعات الجهادية، ليس إلا وهما. فهل يستجيب القانون المناهض للإرهاب الذي جاء بعد اعتداءات 16 ماي بالدار البيضاء لانتظارات ساكنة الأحياء المهمشة التي ينحدر منها الانتحاريون ؟ وأي علاقة لطلبة مراكش، الذين حوكموا لأنهم يطالبون بالحق في الدراسة في شروط أفضل، مع الإرهاب ؟ ولم تضع مداهمات الحرم الجامعي، ووحشية الاعتقالات، والإذلال الذي تعرضت له زهرة، الطالبة التي اعتقلت في نفس الوقت معهم، حدا لإرادة الطلبة، كما يشهد على ذلك الإضراب عن الطعام الذي أقدموا عليه . وفيما يتعلق بالنظام البوليسي لتونس، يكفي ملاحظة ما يجري في السجون، حيث يعتقل شباب فقط لأنهم أبحروا في مواقع انترنيت ممنوعة، ويلقى بهم أحيانا في غياهب السجن لسنوات بدون محاكمات عادلة، ويخضعون للتعذيب وللمعاملات التي تحط من كرامتهم. وعندما يغادر البعض منهم السجن، يقرر الذهاب من أجل الجهاد.و أيضا، إذا كان لا يمكننا إلا أن ندين الاعتداءات الانتحارية التي تقتل النساء والأطفال في فلسطين، أليست السياسة القمعية لدولة إسرائيل هي التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية، ليس فقط معاناة وموت الأطفال، النساء و الضحايا المدنيين الفلسطينيين، لكن أيضا النقص في الأمن الذي تعيش في ظله ساكنتها.
يواجه إذن رجال ونساء ضفتي البحر الأبيض المتوسط تحديا حقيقيا، بين عنف الدولة وعنف الجماعات التي تريد أن تفرض عليهم، بواسطة العنف، نموذجا من المجتمع لا يؤمنون به بالضرورة. اختار البعض منهم والبعض منهن دعم دولة تعدهم بالأمن والحرية لنسائهم، مع تأجيل تحقيق تطلعاتهم، إلى عالم مؤسس على الحق والعدالة، إلى ما بعد، مع احتمال التغاضي عن القمع الذي يستهدف معسكر الآخرين، بما فيهم النساء والأطفال. لكن يستمر أخر ون في مقاومة ورفض ممارسة منطق الكيل بمكيالين فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان. إنهم محامون و محاميات، مناضلون في مجال حقوق الإنسان، صحافيون، مثقفون، لكن أيضا مواطنون أو مواطنات بسطاء. لأن هنا أيضا توجد النساء في المقدمة. ويكفي فقط رؤية المعركة التي قادتها العديد من الجمعيات المغربية من أجل مراجعة المدونة، أو صراعات النساء الجزائريات من أجل الكشف الحقيقة حول أقربائهن المختفين، أو أيضا في الآونة الأخيرة، مظاهرة النساء المتشحات بالسواد، من أجل مصاحبة الإضراب العام في 12 يونيو الأخير، عقب القمع الوحشي الممارس ضد ساكنة سيدي افني، اللواتي نزلن للشارع من أجل الاحتجاج على الوضعية الاقتصادية للمنطقة. يمكننا أن نشير أيضا إلى أنه في أصل المظاهرات التي شهدها الحوض المعدني التونسي، الإضرابات عن الطعام التي قامت بها أرامل المنجميين، الذين توفوا نتيجة الحوادث أو الأمراض المهنية التي لم يتلقوا أي تعويض عنها.
هذا لا يعني أن النساء تخلين عن الصراع من أجل حقوقهن الخاصة. المعركة من أجل المساواة تتم أيضا على المستوى القانوني. وتعتبر الحملة من أجل مراجعة المدونة، من أفضل الأمثلة الدالة على ذلك .
وبعيدا عن هذه الأشكال النضالية، نرى انبثاق خطاب جديد تحمله نساء يبحثن في ثقافتهن الخاصة عن تفسير لعلاقات الهيمنة السائدة في مجتمعاتنا. من خلال الإشارة إلى العلاقات القائمة بين الباطرونا والاستعمار، فإنهن يخضعن للنقد نزعة نسائية مهيمنة تنفي البعد التاريخي والجغرافي الاستعماري والعنصري للعلاقات بين الجنسين، أفكر هنا في كل الأدب الإفريقي الذي يجد صداه أكثر فأكثر في الفكر النسوي الفرنسي.ويقترح آخرون، في المغرب على الخصوص، إعادة قراءة القرآن من أجل العثور فيه على الدعوة إلى ما يفيد”تحرير المرأة التي ينبغي أن تكون حرة في أن تجسد اختياراتها الخاصة، وإعادة كتابة تاريخها وتحديد مجالات حريتها الخاصة. تحرير يتجذر بقوة في مجال انتمائها الروحي، لكن ينفتح أيضا على القيم الكونية، القيم الأخلاقية وقيم العدالة” . نحن بعيدون كثيرا عن التأويلات الأبوية والطائفية التي يقوم بها الجهاديون كما التقليدانيين للقرآن، سواء كانوا ينتمون للسلطة أو للمعارضة.
وقرر البعض الآخر أخيرا، الدخول في علاقة مع نساء الجهة الأخرى، جهة المعارضة، للبحث معا عن طريق نحو الديمقراطية من أجل الجميع نساء ورجالا، وذلك بالانطلاق من تجربة مشتركة، تجربة النساء سجينات علاقات الهيمنة التي تفرضها عليهن جماعتهن الخاصة. وأفكر هنا على الخصوص في نساء الحركة من أجل السلم في إسرائيل وفي فلسطين، لكن أيضا أمهات المختفيين وضحايا الإرهاب في الجزائر. إن ما يوحد بين هؤلاء النساء إذن، هو أولا الوعي بالقدرة التدميرية للعنف، كيفما كان، على مجتمعاتهن.فعندما يعود جندي إسرائيلي شاب من الأراضي المحتلة، كيف ينعكس ذلك على علاقته مع خطيبته الشابة ؟ كيف ستدبر حياتها اليومية، تربية وصحة أبنائها، عندما يسجن زوجها لسنوات أو عندما يختفي؟ نفس المشكل يطرح بالنسبة لتلك التي اختطف الجيش ابنها، والتي ذبح زوجها. الأمهات الجزائريات فهمن ذلك وقررن مجتمعات، كأسر للمختفين وعائلات لضحايا الإرهاب، مطالبة السلطات الجزائرية بالحقيقة وبالعدالة .
وتختلف السياقات، وتتفاوت كذلك مستويات التعبئة والتوعية، لكن ما يوحد كل هؤلاء النساء، هو أنهن يرفضن التقيد بنموذج مفروض و يعارضن الظلم بمختلف أشكاله، سواء كان قوميا، اثنيا، اجتماعيا أو اقتصاديا، وهن بذلك يتجاوزن الإطار المرتبط فقط بالعلاقات القائمة على الجنس. ويكتسبن، في خضم سيرورة لا تدين بأي شيء للطبيعة، وإنما لتجربة الظلم المكتسبة من طرف تربيتهم وفي تنشئتهم الاجتماعية، الوعي بأنه في مواجهة عنف الجهاديين، كما في مواجهة القمع، ينبغي عليهن إيجاد رد آخر. إنهن أذن يتطوعن، بوصفهن نساء، أو باعتبارهن أمهات، ويستندن على شرعية وضعهن كنساء أو أمهات من أجل الخروج للفضاء العام، للمطالبة بالحرية باسم الإسلام، وفرض الحق في العدالة بالنسبة للأطفال، مهما كانوا، ورفض إرسال أبنائهم للموت من أجل الوطن.
ودخلن هكذا إذن في خلافات مع الأدوار الموكولة لهن وطنيا وجماعاتيا، بفعل هذه الإجراءات المدمرة التي استهدفتهن . فقد خبرن حرية الاختيار والقرار بأنفسهن ومن هنا أيضا رسمهن، أحيانا بدون معرفة ذلك، طرقا من أجل ثقافة جديدة لا تكتفي بتحديد حقوق كل واحد وكل واحدة، بل تتجاوز الحدود التي تفصل الأمم، الجماعات، الرجال والنساء، وتستبدل علاقات الهيمنة بطريق الحوار والتشاور، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتجاوز الصراعات.
* باحثة مختصة في الحركات الاجتماعية
بعض المراجع البيبليوغرافية
Cynthia Cockburn, From where we stand : war, women’s activism and feminist analysis, City University Press, Londres, Grande Bretagne, mars 2007.
Ayesha Imam, Amina Mama et Fatou Sow (dir.), Sexe, genre et société. Engendrer els sciences sociales africaines, ed. Codesria-Karthala, Paris, 2004
Asma Lamrabet, Le Coran et les femmes, une lecture de libération, ed. Tawhid, Rabat, 2007
Nouvelles questions féministes, « Sexisme, racisme et postcolonialisme. Faux universalisme », vol.25.N°3/2006
Valérie Pouzol, Clandestines de la paix. Femmes israéliennes et palestiniennes dans le conflit israélo-arabe, Complexe eds, Paris, avril 2006.
Marguerite Rollinde, Le mouvement des droits de l’Homme au Maroc. De l’engagement national à la lutte pour la citoyenneté. Karthala-Institut Maghreb-Europe, Paris, mars 2002.
Marguerite Rollinde, « Face aux violences et à l’absence, les collectifs de famille dans les pays du Maghreb » in Christiane Veauvy, Marguerite Rollinde et Mireille Azzoug (dir.), Les femmes entre violences et stratégies de liberté. Maghreb-Europe du Sud, ed. Bouchène, Paris, octobre 2004.
M. Rollinde, « Stratégies des femmes face aux violences », in Fatima Sadiqi (dir.), Femmes méditerranéennes et leurs droits, actes du colloque international, 28-30 avril 2005, Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, Fès, 2006

