قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 24 موضوعها (الحركات الجهادية وتنظيم القاعدة أية علاقة ؟) مع سعيد الكحل

المقصود بالحركات الجهادية التنظيمات والخلايا التي تمارس العنف وتؤمن به كعقيدة دينية وفريضة على كل مسلم. وهذه الحركات رغم تعددها وتكاثرها فهي تلتقي مع تنظيم القاعدة على مستويين :
المستوى الأول: عقائدي. بمعنى أن الحركات المتطرفة وتنظيم القاعدة لهما نفس العقائد ونفس المنطلقات الفكرية والإيديولوجية التي أصّـل لها محمد بن عبد الوهاب ونظّر لها، فيما بعد، المودودي وقطب. ومن أصولها قول محمد بن عبد الوهاب: " فالله … الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم و أولِه و آخرِه … أسّه و رأسه، و هو شهادة أن لا إله إلا الله، و اعِرفوا معناها و أحِبوا أهلها و اجعلوهم إخوانكم – و لو كانوا بعيدين – و اكفروا بالطواغيت و عادوهم و ابْغُضوا من أحبهم أو جادل عنهم، أو لم يُكفّرهم، أو قال ؛ ما علي منهم، أو قال ؛ ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله و افترى، بل كلفه الله بهم، و فرض عليه الكفر بهم و البراءة منهم – و لو كانوا إخوانه و أولاده – فالله . . الله تمسكوا بأصل دينكم لعلكم تلقوْن ربكم لا تشركون به شيئا " (الدرر السنية 1/78). . وتتلخص عقائد التكفيريين/الجهاديين، كما وردت في البيان التأسيسي للجماعة الإسلامية للتوحيد والجهاد بالمغرب، في :
»نعتقد أن الديمقراطية دعوة كفرية تعمل على تأليه المخلوق و اتخاذه ربا و تَرُدُّ له خاصية التشريع والحكم من دون الله تعالى فهي كفر بواح و خروج عن دائرة الإسلام فمن اعتقد بها أو دعا إليها وناصرها أو تحاكم إليها فهو كافر مرتد مهما تمسح بالإسلام وتسمى بأسماء المسلمين.
ونعتقد أن الأنظمة الوضعية السائدة في بلاد الإسلام نظام كفري مقتبس من قوانين اليهود والنصارى واضعوها شركاء لله في الحاكمية والعاملون بتلك الأنظمة أو المقرون لها أو المتحاكمون إليها مشركون .
ونعتقد كفر الحكام الذين يبدلون شرع الله بشرائع وقوانين الكفر والحاكم الذي يجعل من نفسه ندا لله في خاصية التشريع فيشرع التشريع الذي يضاهي شرع الله.
ونعتقد أن العلمانية على اختلاف راياتها ومسمياتها وأحزابها المعمول بها في الأمصار التي تفصل الدين عن الدولة والحياة و شؤون الحكم والعباد و تجعل ما لله لله وهي زوايا التعبد وحسْبْ و ما لقيصر لقيصَـر و هي جميع مرافق و شؤون الحياة، وما كان لقيصر لا يصل إلى الله وليس من حقه ولا من خصوصياته التدخل فيه، غرْس خبيث و دخيل على الأمة وهي كفر بواح و مروق من الدين فمن اعتقد بها أو دعا إليها أو ناصرها أو قاتل دونها أو حكم بها فهو كافر مشرك.
ونعتقد أن الديار التي تعلوها أحكام الكفر هي ديار كفر و حرب ولا يلزم من هذا تكفير ساكنتها مع اعتقادنا بأنها خليط بين الكفار والفساق و المسلمين كل يعامل بحسب حاله و لا نقول بقول غلاة المكفرة أن الأصل في الناس الكفر .
و نعتقد أن الكفر بالطاغوت شرط في صحة الإسلام فمن لم يكفر بالطاغوت منفي عنه الإيمان و غير داخل في دائرة الإسلام إذ هو الركن الركين في شهادة التوحيد بنص القرآن. «
وبناء على هذه العقائد تتأسس مواقف التنظيمات الجهادية بحيث تلتقي عند :
أ ـ تقسيم العالم إلى دارإ سلام ودار حرب .
ب ـ التمييز بين الناس على أساس عقائدي: مؤمنون وكفار .
ج ـ الجهاد لنشر الإسلام ومقاتلة الكفار في أي مكان فريضة ملزمة لكل مسلم لا يصح إسلامه ولا يكتمل إيمانه إلا بالامتثال لهذه الفريضة وممارستها. لهذا فالجهاد فرض عين .
د ـ معاداة حقوق الإنسان بحجة أنها تتناقض مع أحكام الشريعة
هـ ـ تكفير الديمقراطية كقيم وثقافة ومبادئ بحجة أنها تشرك الإنسان في سلطة التشريع التي هي من اختصاص الله تعالى وحده.
و ـ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لتبرير استعمال العنف والقتل والتدمير ضد من تعتبرهم هذه الحركات أعداء الإسلام.
ويوضح ناجح إبراهيم، أحد منظري الجماعة الإسلامية في مصر، أوجه الاختلاف والاتفاق بين تنظيم هذه الجماعة وبين تنظيم الجهاد كالتالي: "بدأت العلاقة بين الجماعة الإسلامية والجهاد.. بالعلاقة الوثيقة بين الشيخ كرم والشيخ محمد عبد السلام -رحمه الله- الذي أُعدم في قضية السادات.. وكان كلاهما مخلصًا لإقامة الدولة الإسلامية في مصر.. وكلاهما كان متعجلاً لأن يتحقق هذا الهدف على يديه قريباً.. ورأيا أن طريق الدعوة والتربية طريق طويل ولن يوصلهما لأهدافهما.. ويمكن إجهاضه من الدولة وعرقلته بين الحين والآخر.. فقررا توحيد جهودهما ودمج الجماعتين استعداداً لهذا الهدف.. وبعد تعارف المجموعتين رفض بعض قادة الجماعة الإسلامية طريقة ومنهج الجهاد في التعاطي مع قضايا كثيرة مثل تكفير الشرطة والجيش.. وعدم العذر بالجهل.. والعجلة الفظيعة التي لا نظير لها في الرغبة الانقلابية.. وعدم الراحة القلبية من الجماعة الإسلامية تجاه أشخاص مثل نبيل المغربي.. الذي يريد القيام بأي شيء تجاه النظام.. حتى لو كان ضارًّا، ولا يحقق أي شيء من مقصوده الشرعي أو حتى العملي .. . تتفق الجماعة الإسلامية مع جماعة الجهاد في أشياء كثيرة يفوق حصرها وأهمها منهج التلقي.. وكذلك الاتفاق على مرجعية الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.. وكذلك على كل أبواب الأصول والفقه الموجودة في كتب السلف عمومًا.. ولكنهما يختلفان في بعض القضايا الفكرية والعملية والأساليب الدعوية.. وأهم هذه الاختلافات تكفير تنظيم الجهاد للشرطة والجيش مع عدم العذر بالجهل لعوام المسلمين الذين يقعون في شرك أو كفر أو غيره.. وكانت الجماعة الإسلامية ترفض ذلك كله."
إن التنظيمات الجهادية لا تختلف في عقائدها وأهدافها عن تنظيم القاعدة، بل جميعها يستند إلى نفس الشيوخ المنظرين الأوائل لعقائد التكفير والقتل والتدمير أمثال الدكتور سيد إمام عبد العزيز المشهور بالدكتور فضل. وفي هذا الإطار يؤكد الشيخ ناجح إبراهيم طبيعة العلاقة الروحية بين تنظيم الجهاد وتنظيم القاعدة كالتالي"ولكن إخوة تنظيم الجهاد والقاعدة خارج السجون تأثروا بالأفكار القديمة للدكتور سيد إمام الذي كان يدعو إلى تكفير الحكام وأعوانهم.. والشرطة والجيش وأعضاء البرلمان.. والقضاء والنيابة.. بل وبعض الجماعات الإسلامية.. وهذه الأفكار هي التي امتدت إلى إخوة الجهاد والقاعدة خارج مصر وانتشرت على مواقع النت."
وهذه العقائد هي التي ستتبناها باقي التنظيمات والخلايا الإرهابية على امتداد العالم الإسلامي. ففي أحد بيانات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي نقرأ "دعو كل إخواننا المسلمين للابتعاد عن مراكز وتجمعات الكفار والمرتدين الرسمية والأمنية من جيش ودرك وشرطة وحرس بلدي، وليتركوا مجاورتها ومخالطتها لأن المجاهدين عازمون على استهداف مقراتهم ومراكزهم وثكناتهم بكل وسائل النسف والقصف والتدمير الممكنة حتى يستأصلوا شأفتهم أو يعودوا إلى رشدهم." وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا البيان الذي أصدره تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي جاء بعد انتشار مشاعر التذمر والغضب وسط المواطنين الجزائريين بسبب العمليات الإرهابية التي يكون ضحايا بالأساس مدنيون.
ونفس هذه العقائد التكفيرية التي تحرض على العنف والقتل ضد المواطنين ورجال الأمن والدرك، تعتنقها خلايا التيار الجهادي.
المستوى الثاني : تنظيمي. إذ توجد حركات متطرفة إما تابعة لتنظيم القاعدة منذ تأسيسها، أو التحقت به فيما بعد وأعلنت ولاءها له، كما هو حال " الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية" التي أصبحت تحمل اسم تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". وهناك تنظيمات أخرى لم تعلن انضمامها للقاعدة بل اكتفت بإعلان التحالف معه كما هو حال تنظيم "أنصار الإسلام في الصحراء المسلمة بلاد الملثمين"، الذي بث، أخيرا، شريطا صوتيا أيد فيه تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" حيث خاطب عبد المالك دوردكال، زعيم فرع القاعدة في شمال إفريقيا بالقول "اعلم أننا في خندق واحد". وكذلك هو الحال بالنسبة لعمر الحدوشي أحد شيوخ التطرف وأمراء الدم الذي يقبع خلف القضبان، فقد سبق له أن وجه رسالة إلى بن لادن يثني فيها على أفعاله. ومما جاء فيها :"وأخيرا أقول للشيخ أسامة: تسامح في حق نفسك، وتشدد في حق أمتك، تكن عند الله عبدا كريما، وفي المجتمع مواطنا مستقيما، عليك أن تعلم أن لكل شيء ثمنه، فثمن الكرامة بعض الاضطهاد، وثمن السلامة بعض الأذى، وثمن الزعامة والبطولة والرجولة كل المزعجات، وثمن الجاه بعض العداء ...اللهم أردد لنا الكَرّة على أعدائك، ووفقنا إلى موجبات نَصرك، وأنزل علينا سكينتك، وامدد بعونك وتأييدك، واجعلنا أكثر نفيرا ..
اللهم اشدد وطأتك على أمريكا ومن حالفها وشايعها من الإنس والجن، اللهم جمد الدم في أعناقهم، اللهم سلط عليهم طيرا أبابيل، اللهم سلط عليهم جندك الذي لا يُعلم، اللهم سلط عليهم سيف انتقامك، اللهم اجعلهم وجنودهم وأموالهم ومُعدّاتهم وطائراتهم غنيمة للطالبان، اللهم أعز الإسلام وانصر الطالبان، وأذل الكفر والأمريكان 15/ رمضان /1422هـ."
وتجدر الإشارة إلى أن خلايا كثيرة باتت أشد خطرا من تنظيم القاعدة دون أن تأتمر بأوامره، بل لها شيوخها ومنظروها المحليون، لكنها تعتمد أسلوب تنظيم القاعدة في التخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية. وجل الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها في المغرب والتي يزيد عددها عن 70 خلية، هي خلايا لا ترتبط تنظيميا وعضويا بتنظيم القاعدة، بل تقاسمه نفس العقائد ونفس الأهداف، ومنها تلك التي أفصح عنها أحد المغاربة الأفغان وهوعلي العلام بقوله: " شخصيا كانت تلك الفكرة حاضرة عندي، بل كانت من الأولويات، كنت موطدا العزم على تجسيد تجربتي الأفغانية في المغرب … كنت قد جئت بعقيدة الولاء والبراء، حيث لا مجال للمداراة والمداهنة، فالكافر كافر، والمؤمن مؤمن " ما فيها لا إلا ولا حتى "، فليس كل من تسمى بعبد الرحمان أو ما شابهه يعتبر مسلما … لقد عملت على نشرها ـ أفكار التطرف ـ، ولحد الآن فالناس الذين انتشرت بينهم منهم من زاد تطرفا .. أقول للتاريخ إنني طلبت من بن لادن أن ننقل العمل المسلح للمغرب .. أنا شخصيا لا أومن بالحل الديمقراطي، وأعتقد أن الجهاد لا زال ضروريا" ( الصحيفة عدد 35 ـ 12 أكتوبر 2001 ) .
هل يمكن لهذه التنظيمات المتطرفة أن تتخلى عن العنف وتختار المنهج السلمي والنضال السياسي الديمقراطي ؟
هناك عوامل تحول دون ذلك، ومنها :
ـ العامل الأول عقائدي يناهض الديمقراطية كقيم ومبادئ وحقوق ويكفِّر النظم السياسية والقوانين الوضعية ويسعى لإسقاطها وإقامة نظم بديلة بمبرر التناقض بين الإسلام والديمقراطية في النقاط التالية، كما ذكرها عبد الآخر حماد الغنيمي في كتابه "مصطلحات ومفاهيم" :
1 .) قضية التشريع "وهذه القضية هي لب الخلاف بين الإسلام والديمقراطية فالإسلام يقرر في جلاء ووضوح أن حق التشريع هو حق خالص لله عز وجل، فالحرام ما حرمه الله والحلال ما أحله الله، وليست هذه القضية مسألة فرعية كما قد يظن البعض بل هي قضية متعلقة بأصل العقيدة، وعلى من يمارى في ذلك أن يتدبر قول الله عز وجل: {أَمْ لَهُمْ شُرَكاء شَرَعُواْ لَهُم مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَن بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21)، وقوله: {أَلَم تَرَ إلى الذينَ يَزعُمُونَ أَنَّهُمُ آمَنُوا بِمَا أُ نْزِلَ إِ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُون أنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعيداً} (النساء:60)، وقوله تعالى: {فلا وربكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً} (النساء: 65). .. وأخطر من هذا أن يقال: إن الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم عليهم أن يتركوه إذا اختار الشعب غيرهم؛ فإن معناه أن الحاكم المسلم الذي مكن الله له أن يحكم البلاد بشرع الله، عليه أن يسلم الأمر لمن يسوسه بشرعة الشيطان. إن القضية هنا ليست قضية أفراد ولكنها قضية منهج فإذا رأت الأمة أن حاكمها قد قصّر فيما أوجبه الله عليه وصارلا يصلح للولاية فإنها تعزله وتأتى بغيره ممن يتبعون نفس المنهج الإلهي ولا يصح أن يُترك للناس الخيار في إتباع أي منهج يشاءون."
2.) قضية المساواة:
إن من الأمور المعروفة في ظل الأنظمة الديمقراطية الغربية أن أبناء الوطن الواحد يكون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دونما تفرقة بين شخص وآخر بسب اللون أو الجنس أو العقيدة، وهذا مما يتعارض مع الإسلام فإن الإسلام وهو دين العدل المطلق لم يأت بالمساواة التامة المطلقة بين البشر
3. ) قضية الحريات: وهى النقطة الأخيرة في مناقشتنا لحكم الديمقراطية في الإسلام، حيث نرى الديمقراطية الغربية تفتح للناس باب الحريات على مصراعيه حتى لتكاد تكون بلا ضوابط. ولا شك أن الإسلام هو دين الحرية بمعناها الصحيح إذ يضع الضوابط المثلى لممارسة الحريات، الأمر الذي لا يرضى به الديمقراطيون، وأضرب لذلك مثالاً واحداً وهو حرية الاعتقاد ففي ظل الديمقراطية يحق للإنسان طبقا لحرية الاعتقاد أن يغير عقيدته فينسلخ من دينه إلى دين جديد أو إلى لا دين."
ـ العامل الثاني مرجعي إذ لا توجد تنظيمات جهادية تخلت عن العنف وانخرطت في العملية السياسية. فحتى تلك التي أعلنت وقفها للعنف لم تفعله عن عقيدة واعتقاد وإنما كان اضطرارا وتكتيكا.
العامل الثالث أن المراجعات التي تمت من طرف بعض الشيوخ لم تجد صداها وسط التنظيمات الجهادية، إما لكون التنظيمات المتطرفة اتخذت لها شيوخا محليين ولم تعد لها صلات وثيقة بالشيوخ المؤسسين . وإما لأن هؤلاء الشيوخ فكوا ارتباطهم بتنظيم القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى كما هو حال الدكتور فضل، الذي يقول عنه أبو حذيفة في حوار نشره موقع إسلام أون لاين" معروف أن الجماعة الإسلامية قامت بتحولات كبيرة في تصورها، إلا أن جماعة الجهاد ما زالت على نهجها، والدكتور فضل لا يمثلها، بل كان أمير الجماعة في وقت ما وانسحب، وهو لم يعد يمثل جماعة الجهاد، أما هي فما زالت لم تعلن عن أي تراجع، والتراجع الحاصل جاء من عبد القادر بن عبد العزيز، الذي أعلن مراجعته، ومعروف لدى الجميع أن هذا الأمر يخصه وحده. وبالنسبة لمراجعة الجماعة الإسلامية التي أعلنت مراجعتها فقد حصل اختلاف حولها، فهناك من يؤيد منهجيتها، وهناك من هو ضد تراجعها؛ لأن كتاباتها وقعت في عدة أخطاء، منها الاعتماد على حديث أن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وما دامت وقعت في أخطاء فهي تريد التكفير عنها بتأدية الدية للمقتولين" . ومن التنظيمات الجهادية من رفض مراجعات الدكتور فضل بحجة أنه "لا ولاية لأسير" .
وفي كل الأحوال فإن الجهاديين وتنظيم القاعدة يضعون شروطا لأي كاتب حتى يكون كلامه معتبرا وذا مصداقية، ومنها ما ذكره الشيخ رفاعي سرور في كتابه "التصور السياسي للحركة الإسلامية" :
– أن يكون صاحب الكتاب سلفي الفهم.
– أن يكون صاحب الكتاب هو نفسه من أصحاب التجارب الواقعية والعملية في مواجهة الجاهلية، وأن تكون كتاباته مرتبطة بواقعه وتجاربه ومواجهته بصورة مباشرة. مع مراعاة أن ينطبق على جميع هذه الكتابات وأصحابها… قاعدة: أن كل إنسان يخطئ ويصيب ويؤخذ من كلامه ويرد عليه. وأن تتجرد في نفس الوقت عملية الأخذ والرد من عوامل الغيرة والحسد والأحاسيس الحقيرة التي قد تسعى بصاحبها إلى التفكير في هدم شوامخ الفكر ورؤوس الهدى والرشاد.
وقد تكون هذه الشروط متوفرة في بعض الشيوخ، لكن متى أعلنوا خلاف ما كانوا يفتون به من قبل، فإنهم يفقدون مصداقيتهم، فيكون كلامهم محط تجريح ونقد. والشيخ سفر الحوالي نموذج حي حيث كانت بينه وبين يوسف صالح العييري سنة (1424هـ) مراسلات كتب في إحداها إلى سفر الحوالي يقول له مستنكرا "وإذا كانت عقيدتنا تأمرنا بأن نستهدف الكفار بكل مللهم، فمن نصدق حملتكم أم نصدق نصوص الشريعة التي تقول " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفَرنا بكم وبَدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" وتقول "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير" وتقول "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"، فإذا كانت الشريعة تأمرنا باستهداف الغرب كله بالعداوة والبغضاء ومجاهدة الكفار والمنافقين، فكيف تزعم الحملة التي جاءت لتثبت عقيدة المسلمين، بأن الاستهداف لليمين المتطرف فقط، وأننا يجب أن نكون مع المنافقين في خندق واحد ضد عدو مشترك، صدق الله وكذبت حملتكم ومَن وراء حملتكم. أهكذا يُلعب بعقيدتنا، لا نستهدف الكفار جميعاً بل نستهدف اليمين المتطرف فقط ؟ من أين لكم دليل استهداف اليمين المتطرف فقط دون بقية كفار الغرب، أنتم تستغفلون الأمة وتخالفون الشريعة، الله يأمرنا باستهداف كفار الأرض جميعاً بما فيهم كفار الغرب، وأنتم تقولون لا، اليمين المتطرف فقط."
* باحث يهتم بالحركات الإسلامية

