كتاب البديل

ازمة الخطاب السياسي والاخلاقي بالمغرب

 

بقية الحديث … لم نعد نعرف أي اتجاه نقصده في هذا البلد السعيد لولا أن له ملكا يقوده ويرعى شؤونه ويضمن أمنه وامانه بواسطة مؤسسات خلقت لذلك والسير على خطى تعليماته .

إلا أن الهيآت والشخصيات التي تؤثث لمشاهده الحزبية والنقابية والسياسية وغيرها لا ترقى إلى طموحات البلاد وملكها ومواطنيها ، بل بالعكس من ذلك أصبحنا نعيش معهم حالات فوضى وعبث بالمصلحة العامة وتكريس ثقافة الشعبوية والفساد الأخلاقي ، وعوض التمسك بالمبادئ الصحيحة ويكونون قدوة حسنة يتبعها الشعب والمسؤولون والمؤسسات والهيآت المعنية المختصة والمجتمع المدني ، توجهوا نحو ممارسة اللامسؤولية وإفساد الأوضاع وتبني الأفكار الهدامة وخلق المواقف الشاذة والحرجة وتكريس التفرقة وخلق الفتنة في صفوف المواطنين ، بدل العمل على تكريس قيم المواطنة والحوار والتعاون والتكافل ، مما بدأت تنتج معه ردود فعل مماثلة سادت بين المسؤولين أنفسهم وبين أعضاء الشعب الذي اخذ يمثلهم ويجاريهم ويقتدي بهم في ممارسة السوء في المعاملة العامة والخاصة ، وأخذت تطفو معه سلبيات كثيرة وتبعات لا يحمد عقباها ، بعيدة كل البعد عن اصالتنا وعاداتنا وتقاليدنا المغربية التي كان يضرب بها المثل في الريادة والصلاح لقرون وقرون ، وكما يقول المثل العامي المغربي ” منينن داك العريش ؟ من ذيك الشجرة ” والمثل الذي يقول ” راه باك طاح في الطريق … فرد المعني بالقول : راه من الدار خرج مايل ” والمثل القائل ” والله اوما قفلتي لا فورتي ” والأمثلة كثيرة في السياق ، بحيث لاحظنا ان مسؤولين كبارا في البلاد عوض أن ينكبوا على العمل الجاد من أجل خدمة الوطن والمواطنين والسعي في خلق إمكانيات التواصل وتطويرها وتلطيف الأجواء واستغلال الفرص في تحويلها إلى مناسبات إيجابية تضمن الانفتاح على الآخر وتقبل أفكاره وتوسيع دائرة المعارف وتصحيح المواقف ، لتصب في مصلحة الجميع ، يكتفي هؤلاء المحسوبون على السياسة وتسيير شأن البلاد بتضييق الخناق على غيرهم وكل من لا يسير وفق أفكارهم وأهدافهم ولو كانت خاطئة ولا تصلح حتى كاعتبارها خردة … فتجدهم يتبعون المثل القائل ” اللسان ما فيه عظم ” ليعبروا عن مواقفهم وغضبهم بالسب والشتم بأقدح الكلام وأبدئه وارذله ، مثلما جاء في كلام بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الذي تولى الحكومة لفترتين متتاليتين وكان السيد المبجل رئيسا لواحدة منهما ، بأن يصف شريحة من المجتمع بالحمير والميكروبات … ناسيا أنه إذام تقدم للانتخابات وأصبح رئيسا للحكومة فإنه سيكون رئيسا على جميع المواطنين ، سواء الذين وصفهم بالحمير والميكروبات او غيرهم ، وبهذا فإن هذا الوصف سينطبق عليه هو أيضا لأنه سيكون رئيس الحمير والميكروبات وما طاب له من الاوصاف والمسميات البديئة التي لا يجدر له التفوه بهمثلها وهو يمثل توجها دينيا يرفض مثل هذه التصرفات والأخلاق ، فقد كان من الأجدر له أن يقتدي بملك البلاد الذي لم نسمع منه يوما حتى حنحنة تمت لسوء الأدب بصلة ، ولا تصرفا حتى ، يقلل من شأن شعبه الذي يعزه كثيرا ويكافح من أجل ان يجعله يعيش بكرامة ، أو حتى مميئا بحركة سيئة في حق من يعادي المغرب كحكام الجزائر الذين لم يتوانوا في الإساءة إلى المغرب ومع ذلك لا يبادلهم إلا حسن الخلق والأدب والمغفرة ، ليأتي السي بنكيران ويصف رعايا جلالته بهذه الاوصاف غير المسؤولة ويصدر في حقهم السب بكلمات نابية وأوصاف لا يتقبلها قاموس معاملاتنا اللغوية ولا الأخلاقية .

إنها مواقف لا مسؤولة فعلا وغير صحية و تعبر عن تدني الخطاب السياسي لدى المسؤولين المغاربة وانحطاطه ، مما يؤدي إلى تقويض لبناء الدولة وفتق للنسيج الاجتماعي.

وتعد هذه الظاهرة ليست بوليدة اللحظة ، وإنما استساغها مسؤولونا المبجلون منذ حوالي عقد ونصف من الزمن ، فمنهم من وصف المواطنين المغاربة ب ” المداويخ ” ومنهم من وصفهم بالأكباش و” المكلخين ” ومنهم من وعدهم بإعادة التربية و… وكأن هؤلاء المسؤولين لم يتقلدوا مناصبهم إلا للقيام بنشر ثقافة ” المعاطية ” وتكريس سياسة التهديد والوعود “الراشية” والمتلاشية والخاوية ووعيدهم للمواطنين بالانتقام ، وكأنهم جاؤوا ليعلنوا حربا سياسية هوجاء ضدهم ، عوض أن يحققوا مطالب هذا الشعب المغبون ويوفوا بعهودهم تجاه من وثقوا بهم وسلموهم رقابهم عن طواعية فينجزوا على أرض الواقع ما جاء في وعودهم وشملته برامجهم الانتخابية البراقة الوردية التي ، سبحان الله ، سرعان ما تبخرت وتلاشت في عنان السماء ، فنزلوا عليهم بترسانة من القوانين والمشاريع التي لا تخدم إلا مصالحهم كمسؤولين ومصالح ذويهم ومقربيهم ، ليزدادوا غنى ، وتضييق الخناق على المواطنين الذين استفحل فيهم الفقر والحاجة ، فاشتعلت الأسعار وألهبت جيوبهم وأضعفت قدرتهم الشرائية وازدادت البطالة وقلت مصادر العيش وشحت فرص العمل واشتد الحال بالطبقة الضعيفة الكادحة وتأزمت الأوضاع وارتفعت الديون على الدولة بأقدار ضخمة ونسب خيالية وأصبحت في حيص بيص ، الامر الذي ظهرت معه حالات تناقض غريبة بين طبقات المجتمع ، استفادت خلاله طبقة واسعة من المسؤولين الذين اغتنوا بسرعة البرق وفضح أيضا وضعا كارثيا تسبب فيه عدد لا يحصى من ممثلي الشعب من برلمانيين وغيرهم وبطريقة لا يتقبلها العقل ، بحيث أن عددا هائلا منهم تورطوا في قضايا الفساد التي تم ذكرها من قبل ، فمنهم من هو قابع في السجون منذ مدة ، ومنهم من يتابع في حالة سراح أو اعتقال ، ومنهم من تمكن من الهروب إلى الخارج تفاديا لمصيره المأساوي… ناهيك عما تقوم به الحكومة المبجلة من تصرفات بلهاء ، او ربما مقصودة ، بإقدامها على بيع أصول الدولة كالمستشفيات العمومية ومؤسسات الدولة الأخرى ، مدعية أنها وفرت منها المال لتقليص العجز الحاصل في الميزانية والمالية ، حسبما جاء في تصريحات للبرلماني إدريس الأزمي عن حزب العدالة والتنمية .

إنها وضعية خطيرة وبئيسة تدعو فعلا للوقوف على مجرياتها والتفكير في حيثياتها وما تخلقه من أزمة متعددة الابعاد بدأت تلقي بظلالها على واقع المملكة المغربية الشريفة والشعب المغربي ومجتمعنا ، الذي يجد نفسه بين العديد من التيارات المتجاذبة التي تعصف به وبمصيره وهويته واخلاقه وعاداته وتقاليده ، فبدأت تتسرب إليه تبعات ما يقدم عليه المسؤولون ، فيتبع خطاهم مرغما ، ويتأثر بأعمالهم وافكارهم لأنه يرى فيهم المنقذ والقدوة والأثر الذي يجب أن يتبعه في انعدام الأخلاق وسوء التصرف وقذارة التواصل وانحطاط مستوى التعامل مع الوضعيات والاحداث ، ليرث عنهم هؤلاء المواطنون المغلوبون على أمرهم وخاصة الشباب ، صفات القدح والذم والطيش والانفعال وعدم تحمل المسؤولية ، وتكريس أوصاف الانحلال الخلقي والكذب والنفاق وتقدير السخافات وتمجيدها ونشر التفاهة والتهليل بها ، وتعطيل الفكر وخلق البدع والقلاقل ، ليصبح المواطنون في حرب متعددة الجبهات مفتوحة علبهم ، حرب مع الحياة وحرب مع الواقع ، والظروف الجديدة المتسلطة عليهم كجلمود صخر حطه السيل من عل ، ليدخل في حرب مع النفس أيضا ومع الحمقى الذين تسببوا له في كل هذه الأوضاع المأساوية التي ابتلي بها .

لهذا فكيف لنا أن نطلب حالة نفسية سليمة متعافية لهذا المواطن ونطلب منه ان يتطهر من النجاسة التي وضعه أولو الأمور في بركتها وألزموه بالسباحة فيها ، بل ومنعوه من كل إمكانية لتفادي الخروج منها ، مما يمكن أن يخلق فيه كل الأسى والإحساس بالغبن والحكرة ، ليتحول إلى شخص فاقد للأمل ، حاقد على الوضع ومن كان سببا فيه ، فيحس بالغربة في بلاده ويفقد روح الانتماء والوطنية ، لا قدر الله .

وحسبما جاء في أحد الأمثال المغربية العامية ” معامن شفتك معامن شبهتك ” وما جاء في قول الله تعالى ” من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ” والمثل القائل ” من زرع خيرا حصده ومن زرع شرا حصده “.

فعلى المسؤولين أن يرقوا بتصرفاتهم واعمالهم بما يمكن أن يحسن صورتهم ويلمعها ويجعلهم قدوة حسنة يتخذها من يليهم ومن يتبعهم ، ويكرسوا ذلك على الحياة العامة والخاصة ، عسى الله ان يصلحهم ويصلح ما افسدوه ويصلح بهم الرعية والبلاد .

فماذا ينتظر من هؤلاء المسؤولين أن يقدموا للبلاد والمواطنين ماداموا عاجزين عن التحكم في تصرفاتهم وغير قادرين على تهذيبها وجعل أنفسهم قابلة للانتقاد بكل أريحية وصدورهم تسع لأي مخالف لهم ، وعقولهم تستوعب الرأي الآخر ؟ أم أن فاقد الشيء لا يعطيه !

فالأخلاق هي نتاج تفاعل جيناتنا مع ما تكتسبه من معرفة وسلوك ، حسبما جاء في قول ممدوح الرفاعي

وكما جاء في قصيدة الهراوي:

ربوا بنيكم علموهم ، هذبوا فتياتكم ، فالعلم خير قوام

والعلم مال المعدمين إذا هموا ، خرجوا إلى الدنيا بغير حطام

وأخو الجهالة في الحياة كأنه ساع إلى حرب بغير حسام

فالجهل يخفض امة ويذلها والعلم يرفعها اجل مقام

وحتى لا نصل إلى ما يحذر منه أحمد شوقي في قوله التالي :

” إذا أصيب قوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا ” والرجاء في الله العلي القدير أن يلطف بالبلاد والعباد … وللحديث بقية …

بقلم : الدكتور  عبد اللطيف سيفيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى