أزمة القمح اللين: الفلاح يرفض البيع والمطاحن تدق ناقوس الخط

حذرت الفيدرالية الوطنية للمطاحن من استمرار ضعف تجميع القمح اللين الوطني، في وقت يواصل فيه عدد من الفلاحين الاحتفاظ بمحصولهم بدل بيعه للمطاحن، ما يعرقل تعزيز المخزون الاستراتيجي ويزيد من تعقيد وضعية السوق. ويأتي هذا التحذير في سياق يتسم بضغوط مناخية واقتصادية متراكمة، دفعت السلطات إلى الإبقاء على رسوم جمركية مرتفعة على واردات القمح اللين لحماية الإنتاج المحلي.
وتبدو أزمة تجميع القمح اللين في المغرب أكثر من مجرد إشكال ظرفي مرتبط بموسم فلاحي صعب، إذ تكشف المعطيات المتداولة أن جزءا من المحصول لا يصل إلى المطاحن في الوقت المطلوب بسبب عزوف عدد من الفلاحين عن البيع، وهو ما يضعف وتيرة التزويد ويؤخر تعزيز المخزون الاستراتيجي. ومن ثم، فإن المسألة لا تتعلق فقط بوفرة الإنتاج أو ضعفه، بل أيضا بمدى جاذبية السوق المنظمة وقدرتها على استيعاب المنتج بشروط مقنعة.
ويعكس هذا العزوف في جزء منه حسابات اقتصادية دقيقة لدى الفلاحين، فحين لا يكون السعر المعروض في مستوى توقعاتهم أو حين لا يغطي كلفة الإنتاج والنقل والتخزين، فإن الاحتفاظ بالمحصول يصبح بالنسبة إليهم خيارا أكثر أمانا من بيعه تحت ضغط الحاجة. ولذلك، فإن الإشكال يرتبط أيضا بثقة المنتج في آليات التسويق وبقدرته على الحصول على مردود يوازي جهده وتكاليفه.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا السلوك عن الحاجة إلى الاكتفاء الذاتي داخل الأسر الفلاحية، إذ يظل القمح بالنسبة إلى كثير من المنتجين الصغار مادة أساسية في الأمن الغذائي المنزلي. ولهذا يفضل بعضهم الاحتفاظ بجزء من المحصول لتغطية الاستهلاك العائلي بدل إدخاله بالكامل في الدورة التجارية، خاصة في ظل تقلب الأسعار وارتفاع أعباء المعيشة.
إضافة إلى ذلك، يساهم غياب الثقة في آليات التسويق في تعميق المشكلة، فبعض الفلاحين يتوجسون من البيع المبكر خشية ضياع فرصة أفضل لاحقا أو بسبب شعور بأن السوق لا تمنحهم الشفافية والسرعة الكافيتين في التحصيل. كما أن سنوات الجفاف المتتالية زادت من حذرهم وجعلتهم أكثر ميلا إلى تحويل القمح إلى احتياطي منزلي يواجهون به تقلبات الموسم والظروف الاقتصادية.
وعليه، فإن معالجة هذه الأزمة لا تقتصر على تشديد القيود على الاستيراد، بل تستدعي أيضا تحسين شروط تجميع المحصول المحلي عبر أسعار أكثر تحفيزا، وآليات تسويق أوضح، وسلاسل تجميع أسرع، وثقة أكبر بين الفلاح والجهات المنظمة. فاستمرار الفجوة الحالية سيبقي المخزون الوطني رهينا لتوازن هش بين الحاجة إلى الأمن الغذائي ومحدودية جاذبية السوق المحلية.
بقلم : حميد فوزي



