السياسية

قرار دستوري يعيد الاعتبار للتنظيم الذاتي للصحافة

الهيئات المهنية تحمل الحكومة مسؤولية الانحباس التشريعي وتدعو إلى حوار ديمقراطي شامل

 

وضع القرار الأخير لـ المحكمة الدستورية حدًّا لمسار تشريعي مثير للجدل، بعدما قضت بعدم دستورية عدد من المقتضيات الواردة في القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. قرارٌ وُصف داخل الأوساط المهنية والنقابية بأنه لحظة فاصلة أعادت التذكير بأن الدستور يعلو ولا يُعلى عليه، وأن مؤسسات الدولة ليست أدوات لتفصيل القوانين على مقاس مصالح ضيقة أو أجندات ظرفية.
في بلاغ مشترك صادر عن الهيئات النقابية والمهنية لقطاع الصحافة والنشر، عبّرت هذه الإطارات عن تثمينها الواضح لقرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 الصادر بتاريخ 22 يناير 2026، معتبرة إياه جوابًا صريحًا من دولة القانون على ما سمّته “عبث توظيف المؤسسات الدستورية” ومحاولة “دسترة التغول والتحكم والإقصاء” داخل مؤسسة يفترض فيها أن تكون عنوانًا للاستقلالية والتعددية والعدالة التمثيلية.

مسار تشريعي متعثر وتحذيرات سابقة

البلاغ ذكّر بأن الهيئات المهنية كانت قد نبّهت، في بياناتها وترافعها المشترك، إلى خطورة المقتضيات الواردة في مشروع القانون، وما تحمله من تهديد مباشر لفلسفة التنظيم الذاتي للمهنة. فلسفة تقوم، بحسب البلاغ، على استقلالية القرار المهني، وعلى التوازن العادل بين الصحافيين والناشرين، بعيدًا عن منطق التفرد والتحكم.
واعتبرت الهيئات أن القرار الدستوري جاء ليؤكد صحة تلك التحذيرات، ويقطع مع مسار تشريعي كان من شأنه إفراغ المجلس الوطني للصحافة من جوهره، وتحويله إلى بنية مُفرغة من بعدها الديمقراطي.

إشادة بالمعارضة والمؤسسات الدستورية

وسجّل البلاغ بتقدير كبير الانخراط الجماعي والمسؤول لمكونات المعارضة بمجلس النواب، التي بادرت إلى إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية، إلى جانب مواقف المعارضة بمجلس المستشارين، وانسحابها الجماعي من جلسة التصويت التي وُصفت بـ“المهزلة”. كما نوّه بمواقف مؤسسات دستورية، من قبيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، إضافة إلى دعم عدد من قيادات الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية والمنظمات الحقوقية، ومعظم الجسم الصحافي، بل وحتى خمسة وزراء سابقين في قطاع الاتصال.

تحميل الحكومة المسؤولية والدعوة إلى الحوار

وفي لهجة واضحة، حمّلت الهيئات النقابية والمهنية الحكومة المسؤولية الكاملة عمّا آل إليه وضع التنظيم الذاتي للمهنة من انحباس وارتباك وانزلاق تشريعي. ودعتها إلى الاضطلاع بدورها الدستوري في مساعدة المهنيين على إنتاج قانون توافقي، عبر إعادة المشروع برمته إلى طاولة الحوار، واعتماد مقاربة ديمقراطية تشاركية تنصت للصوت المهني والنقابي الذي جرى تهميشه خلال مسار الإعداد.
دفاع عن جوهر التنظيم الذاتي
البلاغ شدد أيضًا على التشبث المطلق بمبادئ التنظيم الذاتي، محذرًا من مقتضيات اعتُبرت “تراميا فاضحًا” على مكتسبات مهنية، من بينها نمط الاقتراع الفردي بدل اللائحة في انتخاب ممثلي الصحافيين، واعتماد الانتداب والتعيين لممثلي الناشرين على قاعدة رقم المعاملات، في سابقة لا وجود لها، حسب البلاغ، في أي تنظيم ذاتي للصحافة عبر العالم. كما نبّه إلى خطورة ربط التمثيلية برقم معاملات يتشكل أساسًا من الدعم العمومي، وما يحمله ذلك من تهديد للعمل النقابي وحرية التعبير داخل المهنة.

لحظة نضالية مفصلية

وختمت الهيئات بلاغها بدعوة صريحة إلى الجسم الصحافي من أجل استثمار هذه اللحظة غير المسبوقة في تاريخ النضال المهني، للدفاع عن أخلاقيات المهنة، وصيانة شرفها، وتطوير حرية الصحافة والنشر، والارتقاء بالقطاع في إطار حكامة ذاتية مستقلة وديمقراطية.
قرار المحكمة الدستورية، كما تقرأه الهيئات المهنية، ليس نهاية معركة، بل بداية تصحيح مسار، وفرصة لإعادة بناء الثقة في التنظيم الذاتي للصحافة، على قاعدة الدستور، والحوار، واحترام صوت المهنيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى