متى ندرج ( الڤار) خارج ملاعب كرة القدم ؟

بقلم : بوشعيب حمراوي
لم يولد (الڤار) من رحم فارغ ، ولم يكن عصارة وحم كاذب .بل جاء نتيجة حمل طويل وولادة قيصرية تسبب فيها تراكم أخطاء تحكيمية فادحة هزّت ثقة الجماهير في عدالة كرة القدم. تقنية المساعدة بالفيديو لم تكن ترفًا تقنيًا، بل محاولة متأخرة لترميم ميزان الإنصاف داخل المستطيل الأخضر، بعدما أثبت الحكم البشري، وحده، محدوديته أمام سرعة اللعب وضغط اللحظة.
غير أن الدرس الأهم الذي قدمه (الڤار) لا يتعلق بكرة القدم وحدها، بل بفكرة أعمق: المراجعة قبل تثبيت القرار، والاحتكام إلى الدليل بدل الانطباع، وإلى الحقيقة بدل الهوى. من هنا، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا نحصر “الڤار” في الملاعب، ونرفض توسيع نطاقه ليشمل باقي مناحي الحياة؟

في كرة القدم، لم يُلغِ (الڤار)الأخطاء كليًا، لكنه حدّ من فداحتها، وقلّص مساحة الظلم، وفرض على الحكم لحظة توقف ضرورية: إعادة المشاهدة، التفكير، ثم اتخاذ القرار. هذه اللحظة بالذات هي ما نفتقده في السياسة، والإدارة، والقضاء الإداري، والاقتصاد، وحتى في العلاقات الاجتماعية.
كم من قرار اتُّخذ على عجل، فكانت كلفته باهظة على المجتمع؟
وكم من مسؤول مرّ دون مساءلة، لأن لا (ڤار) يراجِع، ولا جهة تُعيد
المشهد من زاوية أخرى؟
من الملعب إلى الحياة العامة
لو استُنسخت فلسفة (الڤار)داخل المؤسسات المنتخبة، لكان لزامًا إعادة فحص القوانين قبل تمريرها، ومراجعة الصفقات قبل المصادقة عليها، وتدقيق الوعود قبل تسويقها انتخابيًا. (الڤار)هنا ليس شاشة ولا كاميرا، بل آليات شفافة للمحاسبة والتقييم، تُفَعَّل قبل فوات الأوان.
في غياب هذه المراجعة، تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات كبرى، ويصبح التراجع اعترافًا مكلفًا، فيُفضَّل الهروب إلى الأمام بدل تصحيح المسار.
في الإدارات العمومية، يُهدر المال أحيانًا بسبب قرارات خاطئة، أو صفقات مشبوهة، أو تدبير مرتجل. وجود (ڤار إداري) فعلي، بمعنى المراقبة القبلية والبعدية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كان كفيلًا بتجنيب الدولة والمواطنين خسائر جسيمة.
فكما لا يُحتسب هدف مشكوك فيه قبل الرجوع إلى الفيديو، لا ينبغي تمرير مشروع أو توقيع عقد دون تدقيق مستقل، يُعيد (المشهد)من زوايا متعددة.
العدالة بدورها في حاجة إلى روح (الڤار)، لا بمعنى التشكيك في القضاء، بل بتعزيز ضماناته. فالمراجعة، والاستئناف، والتدقيق في المساطر، كلها أشكال من (الڤار) الذي يحمي البريء من الظلم، ويمنع الإفلات من العقاب.
المجتمع لا يخاف من العدالة، بل يخاف من غيابها، أو من انتقائيتها، أو من بطئها الذي يجعل الإنصاف بلا جدوى.
حتى في الحياة اليومية، يحتاج المجتمع إلى (ڤار) أخلاقي وقيمي. مراجعة السلوكيات، محاسبة الذات، التوقف عن تطبيع الفساد الصغير، والتمييز بين الخطأ والصواب. فالظلم لا يبدأ كبيرًا، بل يكبر حين لا يجد من يوقفه في بداياته.

الڤار ليس تقنية رياضية فقط، بل عقلية حضارية تعترف بأن الإنسان يخطئ، وأن تصحيح الخطأ قوة لا ضعف. توسيع نطاق (الڤار) ليشمل السياسة، والإدارة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، هو شرط أساسي لبناء الثقة، وترسيخ العدالة، وضمان الاستقرار.
فكما قبلت كرة القدم التوقف لحماية نزاهتها، حان الوقت أن تتوقف مجتمعاتنا قليلًا… تُعيد المشاهدة، تُراجع القرارات، ثم تمضي إلى الأمام بأقل قدر ممكن من الظلم، وبأكبر قدر ممكن من الإنصاف.



