ينبغي العودة لعصر المعجزات حتى يستيقظ الجزائريون من غبائهم المُطْبَق !!

قبل يومين طلعت علينا وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية بخبر تدشين الرئيس عبد المجيد تبون لمحطة قطار قيل إنه سيربط، من الآن فصاعداً، بين تيندوف وبشار ومنجم غار جبيلات… وبالمناسبة، والمناسبةُ شرطٌ كما يقول المناطقة، نشرت وكالة الأنباء الجزائرية صورة لقطار يسير فوق جسر شديد الطول، يمتد وسط منطقة صحراوية أشبه ما تكون بكل صحاري العالم، على اعتبار أن ذلك القطار هو الذي وقع تدشينه من لدن رئيس الجمهورية المِغوار، وأنه بدأ لتوه في نقل حديد منجم غار جبيلات إلى المستودعات التي سيتم تسويقه انطلاقا منها، نحو الوجهة الأوروبية أو أيّ وِجهة أخرى… “ومريضنا ما عندو باس” !!
غير أنه، وبطبيعة الحال، وكما هي العادة في بلد الغرائب ذاك، صدحت حناجر المهلّلين والشّيّاتة والمطبّلين، وتعالت صيحات التكبير احتفاءً بنصر حاسم سيجعل من الجزائر، بالتعبير “التَّبُّوني” المعتاد، “أول بلد في العالم” من حيث إنتاج الحديد، وأول مُصدِّر في العالم لهذا المعدن… وأشياء أخرى ستكون الأولى من نوعها، على نفس المنوال، جرياً على عادة ذلك الرئيس !!
غير أن الذي لم يلحظه الجزائريون، قبل غيرهم، وما كان في وسعهم أن يلاحظوه لفرط تدجينهم، وتسطيلهم، هو أن القطار الذي ظهر في الصورة المذكورة والمصاحِبة لخبر التدشين ليس قطاراً جزائرياً، والجسر الطويل الذي يسرح القطار فوقه لم يسبق للجزائر أن شيدت مثله ولا في الأحلام، وأن الصحراء الظاهرة في الصورة ليست بدورها صحراء جزائرية، وإنما الصورة برمّتها مسروقة من وصلة إعلانية لدولة أسيوية، ربما كانت الهند، أو الباكستان، أو نحوهما بالنظر لهيروغليفية الكتابة الواردة في تلك الوصلة، التي يرجع تاريخ نشرها بالمناسبة إلى سنة 2022 (!!!)
حسناً… لنفترض أن الجزائريين لم يفطنوا إلى هذه السرقة الموصوفة، ولا إلى الكذبة الرئاسية “المبرّقة”، فهل يغيب عنهم كذلك أن منجم غار جبيلات يُشكّل موضوعَ اتفاقية مغربية جزائرية ترجع إلى سنة 1972، شملت ترسيماً مبدئياً للحدود بين البلدين الغريمين، ونصت بالحرف على إنشاء “مؤسسة مغربية جزائرية مشترَكة” لاستغلال ذلك المنجم، على أساس أن تتكفل الجزائر بعملية الاستخراج والمعالجة الأوّلية، ويتكفل المغرب بنقل المنتوج الخام وتسويقه باتجاه الزبائن انطلاقا من موانئه العملاقة التي لا تمتلك الجزائر مثيلاً لها، وبواسطة سككه الحديدية، التي في وسعها وحدها أن تربط منجم غار جبيلات بالأطلسي، بلا كبير عناء، لأن المغرب يتوفر أساساً على البنية الأساسية المطلوبة، وعلى باقي التجهيزات البنيوية والهيكلية الضرورية لاستغلالها على الوجه الأكمل، وبأقل التكاليف… هل يغيب هذا كله عن شعب الجزائر؟! حسناً، وهل يغيب أيضاً عن مسؤوليه وحُكّامه من مختلف القطاعات والمستويات؟! وإذا سلّمنا بكل هذا، فهل يغيب هذا كذلك عن مؤسساته الإعلامية الرسمية وغير الرسمية؟!
ألا يوجد في ذلك البلد عقل واحد يستطيع أن يتبيّن حقيقة هذا الأمر، حتى يتسنى له أن يبني عليها قناعاته ومواقفه وعلاقاته، كما تفعل شعوبُ العالم وأنظمتُه ومسؤولوه ووسائله في مجال الإعلام وغيره ؟!
المشكلة فوق ذلك كله ليست هنا فحسب، بل هي في ذيول كذبة الرئيس عبد المجيد تبون ذاتها، إذا أن أي استغلال لحديد منجم غار جبيلات، من لدن الجزائر مُنفرِدةً، يُعتبَر بلغة الاقتصاد والصناعة والتجارة مستحيلاً، اللهم إلا إذا رغب النظام الجزائري في الاستمرار في سَفَهِهِ المالي، فيستخرج ذلك الحديد، ثم يعالجه وينقله ويُسَوِّقه بخسارة قد تتعدى نسبة 250 إلى 300 في المائة من قيمة المعدن المستخرَج، بحساب التقديرات المنجَزة ضمن دراسة الجدوى، وهذا أمر ممكن، رغم استحالته عقلاً ومنطقاً، لأن ذلك النظام لا علاقة له فكراً وفهماً وسلوكاً بالعقل والمنطق، إذ يكفيه، فقط لا غير، أن يُغيظ المغرب بذلك السلوك، رغم أن واقع الحال يؤكد أن المغرب لن يُغيظَه ذلك، بل سيكون مجرد متفرّج على ذلك السلوك الانتحاري، بدليل التزامه الصمت المطبق إلى غاية يومه، ومن الطبيعي، بالنظر للذكاء المغربي، أن يظل صامتا إلى أن تحين فرصة الاسترجاع الفعلي لصحرائنا الشرقية المحتلة، وساعتئذ سيكون لكل مقام مقال !!
نهايتُه… منجم غار جبيلات ينتظر ومعه كل الأراضي المغربية التي استباحتها الحماية الفرنسية بِضمِّها عُنْوَةً إلى جغرافية ذلك الجار الأَبِق، كعقاب للمغرب على دعمه التلقائي للمقاومة الجزائرية على عهد أميرهم عبد القادر، الذي اكتشفنا بعد فوات الأوان أنه لم يكن إلاّ مجردَ بيدقٍ من بيادقِ رقعةِ الشطرنج الفرنسية، الشمال إفريقية، حتى أنه وافته المنية وصدرُه مرصّعٌ بأرقى أوسمة جمهورية فرنسا الخامسة… ولو أننا أدركنا ذلك في أوانه لكُنَّا قد لَفَظْناه كما تُلفَظُ أعقاب السجائر، ولَكُنّا احتفظنا بأراضينا المنهوبة إلى غاية يومه، وبذلك نكون اليوم في غنى عن التوجه إلى ذلك الجار بأي حديثٍ، أو حتى إشارة أو إيماءة، منذ مسيرته الكحلة التي طرد لنا فيها أكثر من 350 ألف مغربية ومغربي تحت نظر تاريخ لم ينس ذلك ولا يمكن أن ينساه أبد الدهر !!
نهايتُه أيضاً… أن رئيس الجمهورية الجزائرية “اللاديموقراطية” و”اللاشعبية” يمارس كذبه المرَضي، كعادته، فيصنع بذلك لمواطنيه مستحيلات لا يمكن أن تتحقق إلا في رواية “أليس في بلاد العجائب”، الصادرة سنة 1865 لمؤلفها البريطاني “لويس كارول” واسمه الحقيقي هو “تشارلز لوتويدج دودسن”، والتي ربما أخذ عنها السي عبد المجيد تبون بعضاً من خيالاته الجامحة والكاذبة… عجبي!!!
____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.

