محمد عزيز الوكيلي يبحث عن تفسير للحالة الجزائرية العصيّة !!

كثيرا ما نتطرق للجزائر ونظامها العسكري، على سبيل التعليق على عدوانيتها غير المبرَّرة تجاهنا، أو للرد على هرطقات مؤسساتها الرسمية وإعلامها المدجَّن… ولكننا قليلاً ما نبحث عن الأسباب التاريخية والإنسانية التي جعلت ذلك البلد على ذلك النحو، المتشنج بلا مبرر، المُعادي بلا مقدمات منطقية يقبلها العقل، العدواني بلا عِلَل ولا مُسَبِّبات… بينما تاريخه الوسيط والحديث، وحده، يزخر بكل المبررات والأسباب والعلل، الكفيلة بجعله يُصاب بكل الأوبئة، ويكره نفسه وغيرَه، ويريد الشر لذاته ولكل مَن حَوْلَه بلا استثناء، وهذه هي السِّمات الأكثر بروزاً في الشخصية الجزائرية !!
قبل حصول القطر الجزائري على وثيقة تقرير مصيره، وبالتالي على المرسوم الرئاسي “الديغولي” الحامل للتوصيف القانوني لوضعيته الجديدة، ابتداء من نوفمبر 1962، الذي يسمّيه الجزائريون ذكرى للاستقلال، بينما هو مجرد محطة لاستفتاء تقرير مصير الشعب الجزائري بين أن يظل فرنسياً، كما كان وضعه باعتباره “مقاطعة فرنسية لما وراء البحار”، أو أن ينسلخ من الخريطة الإدارية والترابية الفرنسية، ويتحوّل إلى ما يشبه “إقليماً للحكم الذاتي”، الأمر الذي تؤكده وتوثقه “اتفاقية إيفيان”، التي لا يزال قصر الإيليزي بمقتضاها يمارس صلاحيات الإشراف على الخطوط الكبرى للتدبير السياسي والاقتصادي والمالي لدولة الجزائر، ولذلك أراد الإيليزي أن يظل النظام هناك عسكرياً، حتى يبقى الشعب مُغَيَّباً بصورة قطعية، ويبقى النظام ذاته متشكِّلا من “حُرّاس للجمهورية الخامسة”، وهو اللقب الذي زكّاه الارتداء الرمزي، من لدن رئيس أركان الجيش الجزائري والحاكم الفعلي لدولة الكابرانات “غير السعيد شنقريحة”، لخوذة الحرس الجمهوري الفرنسي في حفل رسمي بباريس، إبان آخر زيارةٍ رسمية قام بها لهذه الأخيرة !!
كنت أقول، منذ ذلك الإعلان عن تقرير مصير ساكنة المغرب الأوسط، الذين يُستثنى منهم بالمناسبة أهالي تيندوف وبشار وباقي الأراضي المغربية المحتلة حاليا من لدن الجزائر بتدبير من راعيتها فرنسا، لأن هؤلاء يشهد التاريخ أنهم رفضوا المشاركة في استفتاء تقرير المصير سالف الذكر… منذ ذلك التاريخ، لم يكن العالم يعرف عن ذلك البلد سوى ما سأختزله من المعطيات في الفقرات أدناه، وهي معطيات غريبة وصادمة بكل المعايير:
1- أنّ الجزائر، في كل الفترات السابقة على تاريخ تقرير مصيرها ذاك، لم يكن يتوفر فيها أي شرط من شروط “الدولة الأمة”، بمعنى أنه لم يكن في الإمكان اعتبارها، في أي عصر من العصور المتوالية عليها، “دولةً” بالمفهوم الذي يُسبِغُه القانون الدستوري على اصطلاح “الدولة” !!
فالأرض كانت متقاسَمة بين قبائل ومجموعات منحدرة من أصول إثنية مختلفة، وكذلك جغرافيتُها كانت على مر العصور تتوسع وتتقلص تباعاً، بحسب القوى أو السلطات التي كانت تتناوب على تَقاسُمِها أو احتلالها كلاًّ أو جزءاً، وحتى اصطلاح “الكُلّية” هذا، لم يكن متاحاً استعمالُه للإشارة إلى أراض كانت في كل مرة تدخل تحت سلطة أو نفوذ دولة مختلِفة، من الدول الغازية أو المجاورة، فتتقاسمها فيما بينها في كل مرة بشكل مختلف !!
2- نظرا لتوالي احتلال جغرافيا ذلك البلد من لدن دول مختلفة، منها الأوروبي الشمالي، ومنها الأوروبي الوسيط، ومنها الجنوبي، كما منها القوقازي أو التركماني، فضلا عن العنصرَيْن المغربيَيْن الأمازيغي والعربي، فإن ثقافة ذلك الجار لم تَرْسُ على نمط ثقافي واضح المعالم، بل ظل على الدوام خليطاً غير متجانس من الثقافات والتقاليد والعادات، ومن اللهجات، ولذلك قال الجنرال ديغول، بالصوت والصورة، عشية توقيعه على مرسوم 1962: “إن الجزائر كانت خليطا من القرطبيين والفينيقيين والرومان والبيزنطيين والأمازيغ والعرب والعثمانيين… ولم يكن هناك أي وجود لكيان اسمه “الجزائر” (كان هذا مَفادَ كلام الجنرال ديغول) !!
هذا الخليط جعل من الصعوبة بمكان تحديد نمط ثقافي متجانس ومتميّز يمكن تسميته “ثقافة جزائرية”… وهذا في حد ذاته منزلق تاريخي وخيم العواقب، كان له الأثر الأبرز والأثقل في تشكيل شخصية المواطن الجزائري، على الصفة التي نراه عليها اليوم !!
3- بين ذهاب كل محتل قديم ومجيء آخر جديد، كانت الثقافة في ذلك البلد الجار تتلقى ضربات موجعة تُفقِدُها أصالتَها وتُحَوِّلُها إلى ما يشبه الثقافة اللقيطة، في انتظار استتباب الهيمنة الشاملة للثقافة الجديدة الوافدة، وبذلك ترك كل نمط ثقافي عابر في ذلك البلد بصماته، وآثاره، فترسَّب من كل ذلك خليطٌ هجينٌ لا وجهَ له ولا قسمات، إلى درجةٍ عجز معها الباحثون والدارسون عن تقديم صيغة ثقافية واضحة ومتميزة يمكن أن تحمل اسم “الثقافة الجزائرية”… ولنا أن نتصور وقع هذا الأمر على العقل الجزائري الفردي والجمعي على السواء !!
4- مع مجيء الاحتلال الفرنسي، وهو احتلال عصري بكل المقاييس، عرف ذلك اابلد الجار تَحوُّلا جذرياً استغرقت جهودُ إرسائه 132 سنة بالتمام والكمال، دون احتساب أكثر من نصف قرن من التبعية لفرنسا، بعد تاريخ استفتاء تقرير المصير، الذي تُوِّج بمرسوم ميلاد الجزائر “الدولة”، ما دامت منذ ذلك التاريخ إلى غاية أيام الناس هذه تتبع بشكل أو بآخر لنداء الرحم الفرنسي. وهكذا ولأول مرة على مدار مئات السنين، استقر ذلك البلد على نظام قانوني “لدولة كيان” وليس “لدولة أمّة”… فلا عجب إذَن أن نرى من المواطنين الجزائرين ما يراه العالم قاطبةً من العنت والتصلب والعدوانية… زيادةً على ادّعاء كاذب بالتعالي على الجِوار وعلى الغير، صار مضرب المثل في الأوساط الثقافية الإفليمية والقومية والقارية والعالمية !!
هذه هي حقيقة الوضع الإنساني والاجتماعي والثقافي المتأزم لجيراننا المشارقة، وكما يقول المَناطقة: إذا عُرِف السبب بَطُلَ العجب، لكنْ رغم ذلك… عجبي!!!
_____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.

