محمد عزيز الوكيلي يكتب عن .. “ماما” فرنسا والوفاء لروح “إفيان” !!

رغم طول شُقّة الخلاف الجزائري الفرنسي واتساعها، مع تَوالي أيام السياستَيْن الفرنسية والجزائرية وإسقاطاتهما الدبلوماسية، ما زالت الأم تحن إلى رضيعتها، تتفقّد أحوالها، بما فيها الأحوال الأشدّ خصوصية وحميمية (مثل تبدبل “ليكوش” أو الحفّاظات) كتلك التي تبقى نطاقاً وظيفياً محفوظاً لأجهزة الداخلية والأمن، ودواليب المخابرات الداخلية والخارجية، والتي جعلت وزير الداخلية الفرنسي ومعه وفد “إداري/تُرابي” و”أمني/مخابراتي” يطيرون على جناح السرعة إلى الجزائر، بينما كان رمضان يقف عند الأعتاب، لملاقاة نظرائهم الجزائرين، في محاولة، يمكن وصفها بالسهلة الممتنعة، لرأب الصدع الواسع والعميق الذي خلّفه وراءَه وزير الداخلية الفرنسي السابق، “برونو روتايو”، الذي أثار لدى المتتبعين والملاحظين إحساساً بأنه يكره الجزائر وأهلها ونظامها من الأعماق، بدون أدنى مبرر واضح أو معلوم !!

كل هذا لا يهمنا كثيراً، بقدر ما يهمنا الأسلوب الذي تحدث به وزير الداخلية “لوران نونيز” إلى الصحافة الجزائرية والدولية عقب انتهاء مباحثاته مع مستضيفيه، وكأنه يتكلم عن “مزرعة الوالد”، معبّرا عن ثقته الأكيدة في تحسين العلاقات بين فرنسا والجزائر، بلهجة لم يستطع استعمالها الرئيس الجزائري نفسُه، حتى أنه قال بعظمة لسانه ما يمكن اعتباره تقريراً وأمراً نافذاً لا يحتملان التردّد والتلكُّؤ ولا الريبة، متطرقاً لم سمّاه “عودة وشيكة للعلاقات إلى سابق عهدها”، وإلى “تعاون سياسي وأمني أكيد بين البلدين”، وكأن شيئا لم يحدث في مسار تلك العلاقات، وكأن فرنسا لم تكسر الطابو الجزائري حول قضية الصحراء المغربية، ولم تطعن رضيعتها في الظهر كما قال الرئيس تبون في إحدى خرجاته المضحكة المبكية، وكأنّ الوزير “نونيز” يقول بلهجة الآمر للجزائريين نظاماً ومؤسسات، إن كانت لديهم أساساً مؤسسات: “باراكا من اللعب” !!
الإعلام الجزائري غريب الأطوار كان بدوره، قبل أيام قليلة من زيارة “لوران نونيز” للجزائر، يتحدث عن “عقاب جزائري” تجاه الإيليزي على “استهتاره بأرض الشهداء”، وكأن فرنسا تعتبر أولئك شهداءَ بالفعل، وهي التي مازالت تعتقل جماجمهم في صالة صقيعية بأحد أجنحة المتحف الفرنسي، المخصص لتاريخ فرنسا لا لتاريخ الجزائر، وما زلنا نذكر كيف استلقى الفرنسيون على قِفاهِهِمْ من الضحك عندما طالبهم الرئيس تبون وهو ينتحب أمام الكاميرات بإرجاع تلك الجماجم، لكي يحرص شخصياً على دفنها بما يليق بها من التقديس والتبجيل، فإذا بهم يقدّمون له عشرات قليلة على سبيل الإعارة ليس إلاّ، اختلطت فيها عظام جزائريين بعظام مجرمين وتجار مخدرات من مختلف الجنسيات… موازاةً مع إقامتهم حفلا كبيرا بباريس على شرف أبناء “الحركي”، وكأنهم يقولون للرئيس الجزائري “طز فيك وفي شهدائك… وها نحن نكرّم قاتليهم من أبناء جلدتك” !!
كم هي غريبة وعجائبية، هذه الصور الكاريكاتورية التي جعلنا وزير الداخاية الفرنسي نستحضرها من جرّاء زيارته المريبة هذه، وما تبعتها من تصريحات تزيد الموقف الجزائري حرجاً ومهانة !!
ثم ما ذا بعد؟..
ستعود العلاقات الفرنسية الجزائرية إلى نحو ما كانت عليه من قبل، وسينسى النظام الجزائري أنّ الإيليزي اعترف صراحةً وبكل وضوح بمغربية الصحراء، وسينسى كذلك أن ماكرون، شخصياً، عمل جاهداً على جر دول الاتحاد الأوروبي إلى أن تنحوَ مثل منحاه إزاء هذا الملف… وسيحاول شنقريحة وتبون ومساعديهما وإعلامهما أن يلعبوا اللعبة كما خططت لها فرنسا، تماماً كما كانوا طيلة نصف قرن مضى يلعبون وفق ما خطط له الإيليزي التزاما منهم بالمَضامين المُسَطّرة باتفاقية “إيفيان”… لأن سفن الجزائر لا تمشي إلا برياح الإليزي، التي لا تسير هي الأخرى بالضرورة بما تشتهيه سفنُ الجزائر… عجبي !!!
____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



