عمر هلال يبصم بقوة في ملف إفريقيا الوسطى

بقلم: بوشعيب حمراوي
أبرز الدبلوماسي المغربي عمر هلال عرضًا مفصلًا حول تطورات الوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى، موضحًا أن المؤشرات المسجَّلة خلال الفترة الأخيرة تعكس تحسّنًا ملموسًا في مستويات الأمن والاستقرار، بما يفتح المجال أمام انخراط دولي أوسع ويُمهّد لفرص اقتصادية واجتماعية جديدة، معتبرًا، في تلك الجلسة التي انعقدت أمس الأربعاء بنيويورك بدعوة من رئاستها البريطانية،
أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية التي جرت في 28 دجنبر مرّت في أجواء هادئة وشفافة، وأسهمت في تكريس الاستمرارية المؤسساتية والحفاظ على تماسك الدولة عقب إعادة انتخاب الرئيس فوستين أرشانج تواديرا.
واستعرض السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، في إطار تتبّعه لملف البلاد بصفته رئيسًا لتشكيلة جمهورية إفريقيا الوسطى ضمن لجنة بناء السلام، ملامح المرحلة السياسية والأمنية التي أعقبت الاستحقاقات الانتخابية المنظمة نهاية دجنبر 2025.
ونبّه، في المقابل، إلى أن هذه المكاسب تظل في حاجة إلى ترسيخ فعلي يضمن ديمومتها، مؤكدًا أن تنفيذ الاتفاق السياسي الموقّع سنة 2019 يشكّل ركيزة مركزية في مسار الاستقرار، ومشيرًا إلى استمرار بعض التحديات الأمنية، مع الدعوة إلى تسريع إصلاح قطاع الأمن وتوسيع حضور الدولة ومؤسساتها عبر مختلف ربوع البلاد، بما يعزّز سلطة القانون ويحدّ من بؤر التوتر.

دبلوماسية ناعمة يقودها (الكبير) عمر هلال
عرفت جمهورية إفريقيا الوسطى، خلال المرحلة الأخيرة، تحوّلًا لافتًا في مسارها السياسي والأمني، تُوِّج بانتقال ديمقراطي سلمي، وبنتائج ميدانية غير مسبوقة في ملف نزع السلاح وبناء السلام، في واحدة من أكثر التجارب الإفريقية تعقيدًا، وهي الحصيلة التي جرى عرضها داخل المنتظم الدولي من طرف عمر هلال، سفير المملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، بصفته رئيسًا للجنة تعزيز السلام ورئيس تشكيلة جمهورية إفريقيا الوسطى.
وُضعت هذه الحصيلة (الهلالية) أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من خلال تقرير شامل، قُدِّم بدعوة من الرئاسة البريطانية للمجلس، وتناول مسار تعزيز السلام في إفريقيا الوسطى انطلاقًا من منطق النتائج المحققة، لا من زاوية النوايا أو التصريحات السياسية.
التقرير أبرز أن الجهود الدولية المنسَّقة مكّنت البلاد من تنظيم انتخابات سلمية، حرّة وشفافة، شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في إعادة بناء الشرعية المؤسساتية، وأسهمت في استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من الصراع المسلح وعدم الاستقرار.
كما توقّف التقرير عند أولويات المرحلة الموالية للانتخابات، وفي مقدمتها استمرار إصلاح قطاع الأمن، وتوسيع سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، وتوطيد عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، باعتبارها ركائز أساسية لمنع عودة العنف وضمان استدامة السلام.
وفي هذا الإطار، أفضت عملية نزع السلاح إلى تسريح 13 جماعة مسلحة من أصل 14، في نتيجة تُعدّ من أنجح العمليات من نوعها على الصعيد الإفريقي، وتعكس تحوّلًا ملموسًا في ميزان القوة لصالح الدولة والمؤسسات الشرعية.
بناء السلام لا يحتاج إلى ضجيج سياسي
وعلى المستوى التنموي، شكّلت مدينة الدار البيضاء محطة مفصلية في هذا المسار، باحتضانها المائدة المستديرة للشركاء، التي أسفرت عن تعبئة 9 مليارات دولار خلال سنة 2025، خُصّصت لتمويل مشاريع هيكلية كبرى، ربطت بين متطلبات السلام وإكراهات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وسط هذه النتائج، حظيت الحصيلة المعروضة بتفاعل إيجابي داخل المنتظم الدولي، حيث نالت تنويهًا داخل الأمم المتحدة، وأشاد بها الأمين العام أنطونيو غوتيريش، كما ثمّنتها الدول الإفريقية غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن، المعروفة باسم “A3”، معتبرة أن التجربة تشكّل نموذجًا إفريقيًا عمليًا في تدبير النزاعات المعقّدة.
وتؤكد هذه الحصيلة، في المحصّلة، أن بناء السلام لا يحتاج إلى ضجيج سياسي بقدر ما يحتاج إلى عمل هادئ ومتدرّج، تُقاس فيه السياسة بالأثر، ويُبنى فيه الانتقال الديمقراطي على الواقعية والاستمرارية.
تنويه دولي لمجهودات عمر هلال المثمرة
وفي ختام هذا المسار، عاد المنتظم الدولي إلى تثمين العمل الذي أُنجز بهدوء ودقّة، حيث نالت الحصيلة المعروضة تنويهات متعدّدة من داخل الأمم المتحدة وخارجها. فقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن تقديره لنجاعة المقاربة المعتمدة في تعزيز السلام، فيما أشادت الدول الإفريقية الثلاث غير الدائمة العضوية بمجلس الأمن، المعروفة باسم “A3” (جمهورية الكونغو الديمقراطية، الصومال، وليبيريا)، بالدور الذي اضطلعت به المملكة المغربية، خاصة من خلال احتضانها المائدة المستديرة للشركاء بالدار البيضاء. كما لقي التقرير ترحيبًا داخل مجلس الأمن نفسه، بدعوة من رئاسته البريطانية، باعتباره نموذجًا عمليًا لربط السلام بالانتقال الديمقراطي والتنمية. تنويهات تؤكد أن الدبلوماسية المغربية، حين تشتغل بعيدًا عن الضجيج، قادرة على تحقيق اختراقات حقيقية في أكثر الملفات تعقيدًا، وتجسيد معنى الحكمة السياسية القائمة على العمل الهادئ والنتائج الملموسة.



