تبونيات العالم الآخر

بقلم: بوشعيب حمراوي
لم تعد «تبونيات العالم الآخر» مجرد زلات عابرة في الخطاب أو سوء تقدير ظرفي في المواقف، بل تحوّلت إلى عرض سياسي متكامل، كُتب له أن يُقدَّم هذه المرة في صيغة مسلسل دوري هجين، يجمع بين الكوميديا والدراما والتراجيديا، بطلُه رئيسٌ، وديكورُه استوديو تلفزيون رسمي، وسيناريوه حوار مع صحفيين محليين تم “انتقاؤهم” بعناية، حتى لا يخرج المشهد عن النص.
في هذا المسلسل، يطلّ علينا كل مرة، عبد المجيد تبون واثقًا من نفسه، مُبشّرًا ونذيرا ومستعرضا وواثقا من ردوده على تلك الأسئلة المعدة مسبقا. كما في حوار السبت الأخير. حيث خرج يزف للجزائريين بأن بلادهم على مشارف أن تصبح “دولة ناشئة”، وأن الدخل القومي سيتجاوز 400 مليار دولار، وأن التضخم تراجع إلى مستويات شبه إعجازية، وأن مناجم الحديد والفوسفات والسكك الحديدية ستقود الجزائر إلى الجنة الاقتصادية الموعودة. أرقام تُلقى بسلاسة، ومشاريع تُعرض كأنها أنجزت، ومواعيد تُحدَّد بثقة، في مشهد يُشبه كثيرًا أفلام الخيال العلمي… لكن دون مؤثرات بصرية، لأن الواقع كفيل بتكذيب الصورة.
الكوميديا هنا ليست في الطموح، فالأمم تُبنى بالطموح، بل في الفجوة الهائلة بين الخطاب والعيش اليومي للمواطن الجزائري. فبينما يتحدث الرئيس عن مشاريع بعشرات المليارات، لا يزال الجزائري يُصارع الغلاء، والبطالة، مع انسداد أفق العيش الكريم، وتآكل القدرة الشرائية. وبينما يُؤكد أنه “لا يقبل ألف دولار مديونية”، يُلمّح في الآن نفسه إلى إمكانية الاقتراض من البنك الإفريقي للتنمية، لإنجاز مشروع يكلف نصف ميزانية البلد، في مفارقة لغوية تُربك حتى كاتب السيناريو.
أما الدراما، فتتجلى حين ينتقل الرئيس من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية، معلنًا سعادته بالعلاقات مع الولايات المتحدة، وصداقته مع الصين وروسيا، ودفء علاقاته مع السعودية ومصر وقطر والكويت. العالم، وفق هذا الخطاب، في وئام تام مع الجزائر، ولا مشاكل مع “كبار هذا الكوكب”. مشهد ورديّ، سرعان ما ينقلب إلى توتر حين يظهر “الشرير” في هذا المسلسل: دولة عربية وُصفت بـ«الدويلة»، في خروج غير محسوب عن لغة الرؤساء، ليُطلق بعدها مثلًا شعبيًا أقرب إلى التهديد منه إلى الدبلوماسية.
وهنا بالضبط، تتحول الدراما إلى تراجيديا سياسية. فبين غزلٍ مبالغ فيه للقاهرة، وهجومٍ فجّ على أبوظبي، جاءت الوقائع لتردّ بلا كلام: تقارب (مصري/إماراتي) علني، وزيارة مفاجئة للرئيس المصري إلى أمير دولة الإمارات العربية المتحدة.
زيارة أعادت ترتيب المشهد، وكشفت أن الدبلوماسية لا تُدار بالأمثال الشعبية ولا بالانفعالات، بل بحسابات المصالح الدقيقة. مسلسل “تبونيات” في هذا الفصل يفقد توازنه، ويترك البطل وحيدًا يصارع الوهم الذي تملكه. وفي فصول أخرى من هذه الحلقة الكئيبة، يقدّم الرئيس نفسه حاميًا لغزة، ورافضًا لأي مساس بمصر، وفاعل خير في الساحل وليبيا والنيجر ومالي.
تحولت الجزائر حسب هذا السيناريو إلى “قوة خير وعامل استقرار”. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه خارج قاعة العرض: كيف تُصدَّر صورة الاستقرار، بينما الداخل الجزائري يعيش توترًا اجتماعيًا، وتضييقًا سياسيًا، وتخوينًا للمعارضين، وتصنيفًا للمخالفين في خانة “العملاء” و“المرتبطين بأجهزة أجنبية”؟.
و نصل إلى الذروة التراجيدية في المسلسل، حين يتحدث الرئيس عن الديمقراطية، وحرية التعبير، والحوار، والدستور، في الوقت الذي تُغلق فيه المساحات، وتُقمع الأصوات، وتُختزل السياسة في الولاء. حوار فاضل مؤجَّل، حرية مكفولة مع استثناء الشتم، وصحافة حرة ما دامت لا تُزعج السردية الرسمية. إنها ديمقراطية بشروط، وشروطها معروفة.
هكذا، لا يبدو حوار تبون مع الصحفيين مجرد مقابلة إعلامية، بل مخططا هزليا طويلًا. حيث يحاول أن يُقنع الجمهور بأن النهاية سعيدة، بينما تتكفل التفاصيل الصغيرة(الاقتصاد الحقيقي، والعزلة الإقليمية، وتآكل المصداقية..)، بفضح النهاية المفتوحة على كل الاحتمالات قبل إتمام باقي الحلقات.
الرهان على المال والضجيج بدل الحكمة والاتزان
لم تعد «تبونيات العالم الآخر» مجرد زلات عابرة في الخطاب أو سوء تقدير ظرفي في المواقف، بل غدت نمطًا ثابتًا في إدارة السياسة الخارجية، قوامه النفخ اللفظي، والاندفاع الانفعالي، والرهان على المال والضجيج بدل الحكمة والاتزان. ليست فقط أسلوب خطاب، بل حالة سياسية: عالم موازٍ من الأرقام اللامعة، والمواقف المتناقضة، والخصومات المجانية، يقابله عالم واقعي من أزمات مؤجلة وأسئلة محرجة. وبين العالمين، يقف الشعب الجزائري الشقيق، متفرجًا على حلقات هذا المسلسل. طُلب منه التصفيق له، بينما يدرك في قرارة نفسه أن التمثيل شيء… و الممارسة الحقيقية في الحياة شيء آخر تمامًا.
ألا يتعظ من تبونايته التي زادته عزلة. فقد سبق أن عرّت القمة الإفريقية بأديس أبابا أوهام «القوة الضاربة» التي نزلت بكل ثقلها، مالًا وضجيجًا، دون أن تحصد الرئاسة. وعلى العكس، شكّل انتخاب وزير خارجية دولة تعترف بمغربية الصحراء، وتتوفرعلى قنصلية بالداخلة، انتصارًا وازنًا للدبلوماسية المغربية، بينما بدا منصب النيابة الذي آلت إليه الجزائر، أقرب إلى مجاملة بروتوكولية لا تُغيّر موازين القرار داخل مفوضية الاتحاد الإفريقي، حيث تبقى السلطة التنفيذية والسياسية بيد الرئيس. هنا، ظهر الفارق بين من يشتغل على المدى المتوسط والبعيد، ومن يراهن على ضجيج اللحظة.
وتُظهر هذه الوقائع أن سياسة الكلام غير الموزون والارتجال تُحوّل كل خطوة في الاتجاه المعاكس. فمحاولات الاستقطاب، واستحضار أطراف إقليمية في سياق الهجوم والغزل معًا، تعكس سوء تقدير لشبكة العلاقات العربية والإفريقية، حيث تُبنى التحالفات على المصالح والثقة المتبادلة، لا على الانفعالات أو الحسابات القصيرة. الدبلوماسية ليست منبرًا للتهكم ولا مساحة لتصفية الحسابات، بل هندسة دقيقة للتوازنات.
داخليًا، يواجه حكم عبد المجيد تبون انتقادات واسعة تصف بعض السياسات بـ«المهازل». حيث إقصاء الكفاءات، تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتضييق مساحات التعبير. وفي المقابل، تُواجَه هذه الانتقادات بخطاب التخوين واتهام «الأعداء»، وهو منطق يُراكم العزلة بدل معالجتها، ويحوّل الأزمات الداخلية إلى شماعة خارجية. فكيف يُقنع رئيسٌ شعبه بالديمقراطية، والقرار الحقيقي خارج المؤسسات المنتخبة؟ وكيف يُبشّر بـ«الغد الأفضل» والواقع اليومي يزداد قسوة؟.
أما على مستوى القضايا الكبرى، فيتجلى التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. لا يستقيم الادعاء بالدفاع عن فلسطين فيما يُترك المواطن الجزائري لمواجهة الفقر والقهر، ولا يستقيم التشدّد المفتعل تجاه المغرب دفاعًا عن كيانٍ وهمي، بينما تُهدر ثروات النفط والغاز في سباقات تسليح وشراء ولاءات، بدل استثمارها في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. ولا تُقنع المزايدات الوطنية حين يُضخَّم التاريخ ويُلفَّق التراث، فيما العجز قائم عن استرجاع جماجم المقاومين، أو عن تحقيق سيادة كاملة في أبسط رموزها.
الصفعة التي حركت تبونيات العالم الأخر
في المقابل، كشفت عودة المغرب القوية إلى عمقه الإفريقي (بسياسة رابح.. رابح)، واستثمارات حقيقية، وقنصليات داعمة بالعيون والداخلة، عن تبدد الأطروحة الانفصالية، وتراجع الاعترافات بالكيان الوهمي، وتزايد الاصطفاف الدولي إلى جانب وحدة المغرب الترابية. ومع الاعتراف الأمريكي، ثم الموقفين الإسباني والفرنسي، اتّسعت فجوة العزلة من راهنوا على المال والضجيج. فالشرعية تُبنى بالعمل الهادئ، لا بالصوت المرتفع. قبل أن تأتي الضربة القاضية من قلب الهيئة الأممية. بإصدارها قرار ( 2797). الذي يقضي باعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية، هو الوثيقة الوحيدة التي سيتم اعتمادها في التفاوض تحت إشراف الولايات المتحدة من أجل إنهاء القضية المزعومة.
تلك المكاسب والانتصارات هي التي زادت من الاحتقان داخل قصر مرداية. وحركت تبونيات العالم الآخر نحو التأليف والتمثيل والإخراج، و دفعت بزعيم دولة لتقمص دور البطولة، بعد خابت كل الشخصيات التي تقمصت أدوار سابقة في المسرح والسينما والتلفزيون.
إن «تبونيات العالم الآخر» ليست أحداثًا منفصلة، بل منهج تدبير يفضّل الصدام والهروب إلى الأمام على المراجعة والتصويب. وفي زمنٍ تحتاج فيه الدبلوماسية إلى هدوء وبوصلة مصالح واضحة، يظل ثمن الارتجال مرتفعًا: أثر محدود، تحركات مكشوفة، وعزلة مرشّحة للتفاقم. وبينما تُثبت الوقائع أن الرصانة، واحترام الذكاء الجماعي للشعوب، والعمل المؤسسي الهادئ، هي الطريق الأقصر إلى النفوذ الحقيقي، يظل من يعيش في «العالم الآخر» أسير خطابه، حتى يصحو على حقائق لا ترحم.
تبون والسقوط الأخير لنظام العسكر
ليس الحديث عن “سقوط” من باب التشفّي، بل قراءة لمسارٍ تاريخي لا يرحم الأنظمة التي تُنصّب قهرًا وتستمرّ بالوصاية. بعد مشاهد انهيار أنظمةٍ دعمتها السلطة الجزائرية بالأمس، يتأكد أن الزمن لا يُبقي على سردياتٍ مُصطنعة ولا على شرعياتٍ مفروضة. فهل يُعقل إقناع شعبٍ بالديمقراطية فيما القرار الحقيقي بيد العسكر؟ وهل تُصدّق رواية الاستقلال والسيادة بينما تُدار مفاصل السيادة خارج الإرادة الشعبية؟



