ردا على صفحة المديرية الإقليمية للثقافة سطات : حين يتحوّل التبرير إلى اعتراف
فيضانات المركز الثقافي ببنسليمان… خلل بنيوي قديم وخطاب تواصلي مربك

ليس أخطر على المرفق العمومي من الوقوع في الخطأ، سوى الإصرار على تبريره بدل الاعتراف به ومعالجته. وليس أكثر إساءة للمدينة ولمؤسساتها من خطاب يُهوّل الواقع، ويُعمّم الخلل، ثم يُقدّم ذلك التهويل كحقيقة تقنية وأخلاقية في آن واحد.
الردّ على تدوينة فايسبوكية للاستاذ والصحفي بوشعيب حمراوي .و الذي نشرته صفحة المديرية الإقليمية للثقافة ببنسليمان كتعليق على موقع التواصل الاجتماعي، بخصوص غمر مياه الأمطار لقاعة المسرح الكبرى بالمركز الثقافي، لم يكن مجرد توضيح إداري، بل تضمّن – من حيث لا يدري أصحابه – اعترافات صريحة بخلل بنيوي قديم، ومحاولات تبرير لا تصمد أمام الوقائع الميدانية ولا أمام الذاكرة الجماعية للمدينة.
المدينة لم تغرق… والتهويل يطرح أسئلة ثقيلة لكن صفحة المديرية غرقت في التظليل
القول إن “مدينة بنسليمان بالكامل تغرق” ليس فقط ادعاءً غير صحيح، بل خطاب تهويلي خطير، تزداد خطورته حين يصدر عن صفحة رسمية لإدارة عمومية، يُفترض فيها الاتزان، الدقة، والانشغال بشؤون قطاعها، لا إطلاق تعميمات انفعالية تُربك الرأي العام وتسيء للمدينة ومؤسساتها.
هذا التهويل لا يمكن التعامل معه كزلة لغوية عابرة، لأنه يطرح أسئلة مشروعة وثقيلة:
كيف تُعمَّم حالة موضعية على مدينة بأكملها؟
وبأي سند ميداني أو تقني؟
ولمصلحة من يُقدَّم هذا الوصف المبالغ فيه؟
ثم إن هذا الخطاب، بدل أن يحمي الإدارة، يستدعي المساءلة.
مساءلة من طرف السلطات الإقليمية ببنسليمان، لأن صورة المدينة وأمنها المعنوي ليسا مجالًا للتأويل أو التهويل.
ومساءلة كذلك من طرف الوزارة الوصية، باعتبارها الجهة التي تتحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن المشروع، وعن اختيار وعائه العقاري، وعن سنوات الإهمال التي حوّلت خللًا معروفًا إلى خطر متكرر.
فالمدينة لم تغرق، لكن التهويل، حين يصدر من مؤسسة عمومية، قد يُغرق الثقة، ويحوّل نقاشًا تقنيًا مطلوبًا إلى أزمة تواصلية غير مبرّرة.
“العيون الباطنية” ليست تبريرًا للبناء فوق ضاية
الحديث عن “غنى المدينة بالعيون الباطنية” لا يبرّر، بأي منطق هندسي أو إداري، اختيار بناء مركز ثقافي فوق ضاية.
بل إن هذا التوصيف، كما ورد في الرد، يُدين الاختيار من أساسه. فالمديرية نفسها تقرّ بأن المياه “خرجت من باطن الأرض”، وهو اعتراف واضح بأن المشكل مكاني وبنيوي، لا ظرفي ولا مرتبط فقط بـ“كثرة أمطار الخير”.
الطابق تحت الأرض… اعتراف بالخطر لا دفاع عنه
التأكيد على أن قاعة المسرح توجد في “طابق تحت أرضي” لا يُعدّ دفاعًا، بل تأكيدًا إضافيًا لخطورة الوضع.
فكيف يُقبل إداريًا وتقنيًا إنشاء قاعة كبرى، مجهزة بالكراسي والمعدات، في مستوى تحت أرضي داخل موقع معروف تاريخيًا بتشبّع تربته بالمياه؟
ثم يُقال بعد ذلك إن “المضخات العادية لا تنفع”!
هذا القول وحده إقرار صريح بقصور في الدراسة القبلية، وفي التجهيز الوقائي، وفي منطق التدبير نفسه. ويظهر العجز والقصور في المسؤولية .
شكر السلطات لا يُلغي المسؤوليات
الثناء على تدخل السيد العامل، والسيد الباشا، وعناصر الوقاية المدنية، في محلّه تمامًا، لأن تدخلهم كان حاسمًا، ولولاهم لكانت الخسائر جسيمة. وهو تدخل مؤقت .. ومع عدم ايجاد حلول سيتم دائما طلب غيث السلطات والوقاية المدنية وهذا يسيء للثقافة و روادها .
و شكر المتدخلين ميدانيًا لا يعفي المرفق الثقافي من مسؤوليته في الوقاية الاستباقية، والصيانة الدائمة ولا يبرّر تعطل مضخة من أصل اثنتين، ولا يفسّر لماذا ظل الخطر قائمًا رغم تكراره.
التدوينة لم تُنشئ المشكل… بل أعادت التذكير به
من الضروري التذكير، تفاديًا لأي خلط أو تأويل، أن التدوينة التي أثارت هذا الرد البئيس لم تحدث المشكل، ولم تكتشفه بعد فيضانات الأمس، بل أعادت طرح خلل معروف ومتداول منذ سنة 2015، أي منذ مرحلة اختيار أرض المركز وبداية الأشغال الأولى، أي قبل ما يقارب أحد عشر عامًا كاملة.
هذا المشكل كان معلومًا للجميع لدى العمالة و وزارة الثقافة ول المصالح التقنية،
المقاولات التي اشتغلت ثم انسحبت،
للمتتبعين لمسار المشروع،
ولكل من عاين تعثّر الأشغال بسبب المياه التي كانت تغمر الأرضية حتى قبل صبّ الأساسات.
والذاكرة المحلية لا يمكن محوها بردّ فيسبوكي مهما كان أسلوبه.
التدوينة في سياق الدعم لا الاتهام
الأهم من كل ذلك، أن التدوينة لم تكن موجهة ضد المديرية الإقليمية للثقافة، ولا ضد المديرة الجهوية، لأن الواقع يفرض حقيقة واضحة:
لا المديرة الإقليمية ولا الجهوية يستطيعان حلّ مشكل بنيوي بهذا الحجم، مرتبط باختيار الوعاء العقاري وقرارات سابقة على توليهن المسؤولية.
بل جاءت التدوينة في إطار الدعم والتحصين، من خلال:
التنبيه إلى خطورة الوضع، ووكان على صفحة المديرية شكري وليس انتقادي
التدوينة انت في إطار التحذير. و ودق ناقوس الخطر قصد الدفع نحو حلول جذرية بدل منطق الترقيع المؤقت.
أخطر ما في الرد: تأثيم النقد
أخطر ما ورد في الرد هو محاولة تصوير التنبيه المسؤول باعتباره “بحثًا عن البلبلة”.
فالتنبيه إلى خلل بنيوي موثّق ليس تشويشًا، بل ممارسة مواطِنة مشروعة، وصميم الحق في المعلومة والمساءلة.
أما الصمت عن مشكل معروف منذ 2015، فهو وحده الذي قد يحوّل “أمطار الخير” إلى كارثة حقيقية في المستقبل.
تحية مستحقة… وسؤال أكبر
التحية لعمّال الحراسة والموظفين الذين سهروا ليلًا، ولمن وضعوا أقدامهم في المياه الباردة لحماية الأرواح والمعدات واجبة منكم بسبب قصور اداء الوزارة الوصية .
لكن هذه التحية تطرح في الآن نفسه سؤالًا إداريًا وأخلاقيًا:
لماذا يُترك هؤلاء في مواجهة الخطر، بدل معالجة أسبابه من الأصل؟
وهل من مهام عمال الحراسة ابعاد المياه و تجفيف القاعة لان نوع اخر من الاستعباد المهني.
وهل سيتم تعويض هؤلاء على هذه الأعمال الشاقة ان ان الحساب عند صاحب الحساب .
الاعتراف بداية الحل
ردّ المديرية، بدل أن يُغلق النقاش، وسّعه، لأنه أكد – دون قصد – أن المشكل قديم، بنيوي، ومكاني، وأن منطق التدبير الحالي لا يزال أسير التبرير بدل المعالجة.
مدينة بنسليمان لم تغرق.
لكن ما يحتاج اليوم إلى إنقاذ حقيقي هو منطق التدبير والتواصل، والانتقال من خطاب الدفاع إلى ثقافة الاعتراف، التصحيح، والحلول الجذرية.
أما النقد المسؤول، فسيظل رافعة للإصلاح، لا تهمة جاهزة باسم “البلبلة”.
بوشعيب حمراوي




