الدكتور بنقدور يوضح : الصيام… مدرسة روحية ونظام صحي متكامل

يُعدّ الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة جامعة تتجاوز بعدها التعبدي لتشمل أبعادًا نفسية وصحية وجسدية متعددة. فإلى جانب ما يرسخه من قيم الصبر والانضباط والتحكم في الشهوات، يمثل شهر رمضان مرحلة انتقالية خاصة يتغير فيها نظام الأكل والنوم والنشاط البدني، مما يضع الجسم في حالة تكيّف مستمرة. وقد يكون هذا التكيّف إيجابيًا إذا اقترن بعادات غذائية سليمة ونمط عيش متوازن، أو سلبيًا إذا ارتبط بالإفراط في الطعام والسهر المفرط والسلوكيات غير الصحية. ومن هنا تبرز أهمية فهم العلاقة الدقيقة بين الصيام والصحة، حيث تؤكد تقارير علمية، من بينها تقارير لمنظمة الصحة العالمية، أن الصيام عندما يُمارس بطريقة صحيحة، ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية والذهنية والجسدية.
الفوائد النفسية والذهنية للصيام
أثبتت الدراسات أن الصيام يُسهم بشكل واضح في تقوية الإرادة وتنمية الصبر، إذ يدرّب النفس على التحكم في الرغبات وضبط السلوك والانضباط الذاتي. ولا يقتصر الصبر هنا على تحمل الجوع والعطش، بل يمتد ليشمل كبح الشهوات وصون الجوارح عن السلوكيات السلبية، وهو ما يُعد تمرينًا يوميًا فعّالًا على التحكم في النفس.
كما يمنح الصيام شعورًا بالطمأنينة والسكينة الروحية، ويُعزز القرب من الله، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية، من خلال تحسين المزاج والتخفيف من أعراض القلق والاكتئاب، والمساعدة على ضبط الغضب والانفعالات السلبية. فالتوتر المزمن يؤدي إلى إفراز هرمونات مثل الكورتيزول والغلوكاغون، مما يرفع مستويات السكر في الدم، بينما يساعد الصيام المتوازن على الحد من هذه الاضطرابات الهرمونية.
ومن الناحية الذهنية، يُسهم الصيام في صفاء الذهن وتحسين التركيز والذاكرة، ويعزز القدرة على التفكير بوضوح، مما يساعد على التعلم وحفظ القرآن الكريم وتحقيق توازن عاطفي أفضل. ولتحقيق هذه الفوائد، يُنصح بتفادي الإفراط في الطعام خلال الإفطار، واعتماد نظام غذائي صحي ومتوازن.
كما يلعب الصيام دورًا اجتماعيًا مهمًا، إذ يُعزز الروابط الأسرية والاجتماعية من خلال موائد الإفطار والسحور الجماعية، ويقوي روح التضامن والانتماء، مما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية للفرد وتماسك المجتمع.
الفوائد الجسدية (الفسيولوجية) للصيام
يُعدّ الصيام نظامًا طبيعيًا لتجديد طاقة الجسم والنفس، إذ يمنح الأجهزة الحيوية، وعلى رأسها الجهاز الهضمي، فترة راحة فسيولوجية تسمح بتجدد الخلايا وتحسين وظائف الأعضاء. كما يُسهم في تقليل الالتهابات المزمنة، والوقاية من عدد من الأمراض، وتعزيز التوازن الداخلي للجسم.
التخلص من السموم والدهون.
يساعد الصيام الجسم على التخلص من المواد السامة المتراكمة، حيث يعتمد خلاله على استهلاك الدهون المخزنة كمصدر للطاقة، وهي الدهون التي غالبًا ما تختزن معها السموم. وبعد تحرر هذه السموم، يتكفل الكبد والكليتان بطرحها خارج الجسم عبر البول والصفراء، مما يُحسن من كفاءة وظائفهما.
راحة الجهاز الهضمي وتجدد الخلايا
يمنح الصيام الجهاز الهضمي فرصة للراحة، ويساعد على تجدد الخلايا المبطنة للأمعاء، مما يُحسن عملية الامتصاص الغذائي. كما يُسهم في تقليل الدهون المتراكمة في الكبد وتحسين أدائه الوظيفي.
إنقاص الوزن وتحسين الأيض
خلال ساعات الصيام، يستهلك الجسم في البداية مخزونه من الكربوهيدرات، ثم يلجأ إلى مخازن الغليكوجين في الكبد والعضلات. وبعد نفادها، يبدأ في استخدام الدهون كمصدر رئيسي للطاقة، وهي عملية تُعرف بالأيض الدهني. ويُعد هذا التحول من أهم الفوائد الفسيولوجية للصيام، لما له من دور في تحسين حساسية الخلايا للأنسولين وتقليل تراكم الدهون الضارة، خاصة لدى المصابين بالسمنة وداء السكري من النوع الثاني.
تحسين صحة القلب والأوعية الدموية
يساعد الصيام المنتظم على خفض مستويات السكر والدهون والكوليسترول الضار في الدم، ويقلل من ترسبها على جدران الشرايين، مما يساهم في الوقاية من الذبحة الصدرية والجلطات القلبية والدماغية، ويُحسن صحة القلب بشكل عام.
تعزيز المناعة وتجديد الخلايا
يساهم الصيام في تقوية الجهاز المناعي عبر زيادة كفاءة خلايا الدم البيضاء، وتحفيز الجسم على تجديد خلاياه والتخلص من الخلايا التالفة، مما يساعد على مقاومة الأمراض وتأخير مظاهر الشيخوخة.
الصيام والنشاط البدني
تُعدّ ممارسة الرياضة المعتدلة خلال شهر رمضان مكملة لفوائد الصيام، إذ تُنشّط الدورة الدموية، وتُحسن أداء الجهاز العضلي الحركي، وتُساعد على التخلص من السموم عبر التعرق. كما يُسهم الجمع بين الصيام والنشاط البدني المنظم في فقدان الوزن، وخفض ضغط الدم، وتقليل مستوى الكوليسترول الضار، شريطة مراعاة التوقيت المناسب وشدة التمرين.
بقلم: الدكتور العربي بنقدور



