المغربية هند زمامة… متسلقة جبال مغربية تعانق القمم بإصرار و شغف

الرباط : في زمن تبحث فيه كثير من الرياضات عن أبطالها في الملاعب والقاعات المغلقة، اختارت المتسلقة المغربية هند زمامة فضاءً مختلفاً لكتابة مسارها الرياضي والإنساني؛ فضاءً مفتوحاً بين السماء والأرض، حيث الجبال الشاهقة التي لا تعترف إلا بالإصرار وقوة الإرادة.
ففي أعالي القمم وبين تضاريس الطبيعة القاسية، تواصل هند زمامة رسم مسار مميز يجمع بين الشغف بالرياضة وروح المغامرة، حيث وجدت في تسلق الجبال مجالاً رحباً لتحدي الذات واختبار حدود القدرة البدنية والنفسية. بالنسبة لها، لا يتعلق الأمر بمجرد إنجاز رياضي، بل بتجربة إنسانية عميقة تعزز صلتها بالطبيعة وتمنحها دروساً يومية في الصبر والإصرار.

هذا الشغف قاد البطلة المغربية إلى خوض أحد أكبر التحديات العالمية في عالم التسلق، وهو تحدي القمم السبع، الذي يتمثل في تسلق أعلى قمة في كل قارة من قارات العالم. وقد نجحت إلى حدود اليوم في بلوغ خمس قمم من هذا التحدي العالمي، من بينها قمة إيفرست أعلى قمة في العالم، إضافة إلى قمم كليمنجارو بإفريقيا، وأكونكاجوا بأمريكا الجنوبية، وإلبروس بأوروبا، وكارستينز بأوقيانوسيا. ولا تزال أمامها قمتان لإتمام هذا الإنجاز العالمي، هما دينالي بأمريكا الشمالية وفينسون بالقارة القطبية الجنوبية، في مسار يعكس الطموح المغربي في واحدة من أصعب الرياضات في العالم.
وبالعودة إلى بدايات هذه الرحلة، تؤكد هند زمامة أنها اكتشفت شغفها بتسلق الجبال في سن متأخرة نسبياً، بعدما شاهدت صدفة برنامجاً تلفزيونياً يتناول هذه الرياضة. ومنذ تلك اللحظة، شعرت بأن الجبل يناديها، وأن هذه الرياضة قادرة على إشباع روح المغامرة والتحدي بداخلها.
وترى المتسلقة المغربية أن تسلق الجبال ليس مجرد نشاط رياضي، بل أسلوب حياة ومدرسة تربوية تعلم الإنسان الصلابة الذهنية والقوة الجسدية، وتجعله أكثر قدرة على مواجهة الصعوبات. فالمتسلق – كما تقول – قد يفشل أحياناً في بلوغ القمة، لكنه يتعلم أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل خطوة ضرورية نحو النجاح. فكل محاولة جديدة تحمل درساً في الصبر والثقة بالنفس والإيمان بالقدرات الذاتية.
وإلى جانب شغفها بالرياضة، تحرص هند زمامة على تحقيق توازن بين حياتها الأسرية وطموحها الرياضي، مؤكدة أن المرأة المغربية قادرة على الجمع بين مسؤوليات الأسرة وتحقيق أحلامها الشخصية. وتعتبر أن تجربتها في تسلق الجبال ساعدتها على غرس قيم التواضع والشجاعة والصبر في نفوس أبنائها، مضيفة أن الوصول إلى القمة ليس هو الهدف الأهم، بل الطريق الذي يسلكه الإنسان والأثر الذي يتركه خلفه.

وتعترف هند زمامة بأن الطريق نحو القمم لم يكن سهلاً، إذ يقف خلف كل إنجاز كبير مزيج من التضحيات والالتزام والدعم العائلي. وفي هذا السياق، تشيد بالدور الكبير الذي لعبته أسرتها في دعمها وتشجيعها على مواصلة تحقيق أحلامها، معتبرة أن الإيمان الذي أبداه والدها بطموحها، واحتضان والدتها، ومساندة إخوتها وزوجها، كانت عوامل حاسمة في نجاحها.
وفي عالم المرتفعات الشاهقة، لا يقتصر التحدي على القوة البدنية فقط، بل يمتد إلى اختبار القلب والعقل والإيمان معاً. فمتسلق الجبال يواجه الطبيعة في أقسى تجلياتها، حيث يصبح الخوف رفيقاً دائماً للرحلة. غير أن هند زمامة ترى في هذا الخوف عنصر توازن لا غنى عنه، لأنه يمنح المتسلق الحذر ويبعده عن الغرور.
وبمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة، تؤكد هند زمامة أن المرأة المغربية قادرة على تحقيق إنجازات كبيرة بفضل عزيمتها والتزامها الصامت الذي يصنع الفارق في المجتمع. وتدعو النساء المغربيات إلى الإيمان بقدراتهن والإحاطة بالأشخاص الإيجابيين الذين يشجعونهن على تحقيق أحلامهن.
وقد حظي هذا المسار الملهم بتقدير واسع، حيث توجت هند زمامة السنة الماضية خلال فعاليات النسخة الثانية من تظاهرة “Les IndustriElles” بجائزة الجرأة والمرونة، تكريماً لمسارها الاستثنائي الذي يجمع بين تطوير الذات وروح المبادرة والقيادة الملهمة.
وهكذا، تواصل هند زمامة كتابة فصل جديد من قصة مغربية ملهمة في عالم تسلق الجبال، قصة عنوانها أن القمم العالية ليست حكراً على أحد، وأن الإرادة الصادقة قادرة دائماً على الوصول إلى الأعلى.



