أين ستذهب بنا الحرب الدائرة رحاها بين بلاد فارس وإسرائيل المدعومة بقوات “العم ترامب”؟!

ما من ملاحظ ومتتبع لما يجري بالشرق العربي بين إيران من جهة، مدعَّمة بأصدقائها الخَفيّين، الذين قد تكون روسيا بوتين والصين من بينهم، ومن جهة أخرى، بين أمريكا وإسرائيل، وربما تنضمّ لاحقا لهذا الثنائي دول مجلس التعاون الخليجي، كُلاًّ أو بعضاً، بسبب استفزاز إيران لقدرات هذه الدول الدفاعية، وإسقاط بعض صواريخها الباليستية فوق منشآتها العسكرية، المختلطة مع نظيراتها الأمريكية التي أنفقت الولايات المتحدة على إقامتها وتثبيتها وصيانتها ثم تطويرها، على مدار أكثر من العشرين سنة الماضية، ملايير وفيرة من الدولارات، المنبثِق معظمُها من عائدات البترودولار الخليجي دون غيره !!
كنت أقول، ما من متتبع لهذا الذي يجري هنالك، إلاً وقد وضع ضمن احتمالاته نشوب حرب نظامية مباشرة لن تُبقي ولن تذر، خاصة وأن إيران أبانت عن نَفَس طويل واستعداد مذهل لا شك أنها بَنَتْ قواعدَه طوال السنين التي أعقبت الحرب الأمريكية العراقية في صيغتيها الأولى والثانية، لأنها كانت تعلم أن الدور سيأتي عليها لكونها، بكل بساطة، تشكل الخطر الداهم على الوجود الإسرائيلي وأمن إسرائيل بعد أن زال الخطر العراقي، الذي كان يُشكّله صدام حسين تحديداً، وبذلك فتداعيات هذه الحرب الطويلة إذا قامت رسمياً فلن يَسلم منها أي بلد بمنطقة الشرق الأوسط برمتها، ومعها بتحصيل الحاصل بلدان أخرى عربية وشمال إفريقية، وإفريقية، وأخرى متوسطية في جنوب المتوسط وشماله على السواء، الأمر الذي سيضعنا بشكل من الأشكال بإزاء حرب كونية ثالثة سيشهد العالم من جرائها انتكاسة اقتصادية وبنيوية لا تقل خطورة ودماراً عن الحربين الكونيتين السابقتين، ويفتح الطريق من جديد لإعادة تشكيل خريطة العالم وفق توازنات غير مسبوقة، الله وحده يعلم نصيب بلداننا المتواضعة من تداعياتها، التي لا تدور حاليا ببال أحد من العالمين، باستثناء الفاعلين الأساسيين الممسكين بمُختلِفِ خيوط هذه الجريرة !!
غير أن في وسعنا أن نسجل ها هنا ملاحظة أو اثنتين أفرزتهما ماجريات الساحة هنالك، منذ أن انطلقت أولى شرارات هذه الحرب إلى غاية ساعة الناس هذه.
الملاحظة الأولى: و هي الأهم والأبرز، أن النظام الإيراني رغم الضربات الموجعة بل القاتلة التي تلقاها، ظلّ يُبين عن شراسة قياسية، حتى أنه استطاع حسب بعض المحللين أن يُبدِيَ صموداً غير متوقّع، ميدانياً، أمام قوات أمريكية والإسرائيلية جبارة، بالرغم من ارتفاع مستوى الوجود العسكري والتكنولوجي الأمريكي بدول الخليج ومحيطها المباشر، وهذا ربما لم يكن الرئيس دونالد ترامب ولا أصدقاؤه وحلفاؤه ينتظرونه أو يتوقّعونه من دولة استطاع الجيش العراقي في زمن غير بعيد أن يُلحق بها أقسى الهزائم، مما يوحي بأن الرئيس الأمريكي لا رغبة له في سحق إيران لأنه لو أراد ذلك لقدر عليه بكل تأكيد، وإنما هو يرمي الآن إلى الدفع باتجاه تغيير نظام فارسي فاسد يعبث بأمن واستقرار كل من يُجاورونه أو يحيطون به !!
الملاحظة الثانية، والحال أنها لا تقل أهمية، هي أن الرئيس الأمريكي لن بقبل أن يخسر الكثير من وزنه الدولي في الحالتين معاً: في حالة انهائه المعركة بشكل مفاجئ، مما قد يُسبغ على قراره مسحة من التردد والتلكؤ في إنهاء مهمة بدأها وينبغي أن تنتهي بتحقيق أهدافها، المتمثلة في تقليم أظافر ذلك الوحش الجامح والمتعفّن؛ أو في حالة إلقائه بكل الثقل العسكري الأمريكي في المعمعة، وهو الخيار الذي تكمن خطورته في أنه قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التجارب الثلاث الملتبسة في كل من الفييتنام، ولبنان، وأفغانستان، والتي ما زالت تُلقي بظلالها الثقيلة والمعتمة على كاهل التاريخ الأمريكي الحديث، حتى أن كُتّاب تاريخ بلاد “العم سام”، لم يعودوا يعرفون في أي الخانات يضعونها وقد انقسم الأمريكيون حيالها بين مُحَبِّذٍ ومعارض، حفاظاً على ماء وجه الشرعية الدولية، التي يشكل العنصر الأمريكي راعيها الذي يتحمّل من أجل القيام بذلك، النصيبَ الأكبر من المسؤولية !!
بيد أن الظاهر من خلال أحداث الساحة أن إيران مستعدة تمام الاستعداد للأسوأ، وللذهاب بعيدا في تعنّتها وعدوانيتها المعتادتيْن، واللتين ضجر منهما جيرانها العرب، أصدقاء الولايات المتحدة الأكابر، في محاولة منها لإثبات قدرتها على إعادة إنتاج التجربة الفييتنامية الشائكة، حتى أنها بدأت تُلوح جِهاراً بزعزعة استقرار الشرق الأوسط بكامله، أو بالأحرى الشرق العربي، وهو ما سيشكل خطرا عظيما في آن واحد، على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية ووزنها عالمياً، وعلى الوجود الإسرائيلي بالمنطقة، وكذلك على سلامة وأمن دول الخليج العربي خاصة والوطن العربي عامة، وقد ينتهي المطاف بهذا الواقع المعقّد والمتشابك والمستعصي إلى تحجيم دولة إسرائيل وتكريس عزلتها رغم امتلاكها للسلاح النووي، الذي يبدو أن إيران لم تعد تحسب له أدنى حساب، خصوصا إذا كان هناك نصيب من الحقيقة في الشائعات التي يدّعي صانعوها بأن فارس ربما استطاعت في الخفاء أن تُخَصِّب اليورانيوم وتُنتج أولى قنابلها النووية !!
وسواء صَحَّ ذلك أم لم يَصِحّ، فمن المؤكد أن إيران تمتلك خزائن مُهولة من أسلحة الدمار الشامل المتطورة، مدفونةً ومخبّأةً بعناية فائقة على مدار عقود في عمق مغاراتها ومناطقها الجبلية المنيعة، وهذا واقع لا يخدم مصلحة ولا أمن واستقرار أي بلد من بلدان المنطقة برمتها، فالنظام الإيراني سرطان ينبغي اجتثاثه من جذوره بعد أن أفسد أجواء السلم، ولوَّثَ مناخَه في كل من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين واليمن وقطر، وحتى في الجزائر، التي سرق منها خلسةً صنيعتها البوليساريو، وحوّلها في السنوات القليلة الماضية إلى “شخشيخة” في أيدي الحرس الثوري الإيراني ومخابراته اللعينة!!
لا أحد الآن في وسعه أن يتكهّن بما سيأتي به القريب من الأيام، بل من الساعات، في وقت يجري فيه الحديث عن حشد أمريكي متنامي للبوارج الحربية وحاملات الطائرات بمياه الأبيض المتوسط…
أما نحن، فلا يسعنا إلا أن نسأل الله السلامة والعافية في الحال والمآل !!!
______________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.


