عواقب الإسراف في الأكل والشرب خلال شهر رمضان المبارك

يُقبل شهر رمضان المبارك حاملاً معه معاني الصبر، والزهد، والتقرب إلى الله، غير أن مظاهر الإسراف في الأكل والشرب باتت، مع الأسف، سلوكًا شائعًا لدى فئات واسعة من الناس، رغم النهي الصريح والواضح عنه في القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى في محكم تنزيله:﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وما كان هذا النهي إلا رحمة بالإنسان، وحفاظًا على صحته الجسدية والنفسية، وصونًا لمقاصد الصيام التي شُرعت لإصلاح الإنسان لا لإتعابه.
إن الإفراط في الطعام والشراب يُعد خطرًا حقيقيًا على صحة الإنسان، وقد حذر منه علماء المسلمين قديمًا، استنادًا إلى هدي النبي ﷺ حين قال:
«ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه».
فالإسراف هو مجاوزة حد الاعتدال، ويظهر في التهام كميات تفوق حاجة الجسم، أو في الأكل السريع دون مضغٍ جيد، مما يُربك الجهاز الهضمي ويُضعف الاستفادة الغذائية.
وتتعدد أسباب هذا السلوك، بين عوامل نفسية كالإحساس بالحرمان العاطفي أو الضغوط العائلية، وعوامل اجتماعية واقتصادية مثل كثرة المناسبات وارتفاع الدخل، إضافة إلى الملل، أو التعلق باللذة، أو التقليد الأعمى للعادات السائدة.
وعلى المدى القريب، تبرز عواقب صحية خطيرة للإسراف، من بينها التخمة، وعسر الهضم، والانتفاخ، وآلام المعدة، والحموضة، والتعب الشديد، بل وقد يصل الأمر إلى توسع حاد في المعدة يجعلها أكثر عرضة للتمزق. كما يؤدي الإفراط في الأكل إلى الخمول، وقلة التركيز، والميل المفرط للنوم، مما ينعكس سلبًا على النشاط الذهني والبدني، في شهر هو أساسًا شهر عبادة وقرآن، لا شهر تخمة وكسل.
وقد لخّص لقمان الحكيم هذا المعنى بقوله لابنه:
“يا بني، إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.”
وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب:
“المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء.”
أما على المدى البعيد، فإن الإسراف يؤدي إلى تراكم السموم في الجسم، والسمنة، ومرض السكري من النوع الثاني، وارتفاع نسبة الدهون والكوليسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الجلطات القلبية والدماغية، إضافة إلى حصيات المرارة والكلى، وتكرار نوبات داء النقرس.
ولتجنب هذه المخاطر، ينصح المختصون باعتماد سلوكيات غذائية بسيطة وفعالة، من بينها شرب الماء قبل الوجبات لملء المعدة دون سعرات حرارية، والبدء بالسلطة الخضراء الغنية بالألياف، وتجنب الأكل واقفًا أو في وضعية الاستلقاء، لما لذلك من أثر سلبي على الهضم. كما يُستحسن تناول الطعام بهدوء، والمضغ الجيد، والحرص على الأطعمة الغنية بالألياف التي تمنح الشعور بالشبع بكميات أقل.
وفي السياق المغربي، يعرف شهر رمضان حركية اقتصادية واجتماعية خاصة، حيث تشهد الأسواق انتعاشًا ملحوظًا، وتحرص الأسر على اقتناء مستلزمات المائدة الرمضانية، وإعداد الحلويات التقليدية كالشباكية والسلو، في إطار الحفاظ على الطقوس والعادات المتوارثة. وتبقى الحريرة المغربية نجمة مائدة الإفطار، لما لها من توازن غذائي يساعد على تعويض السوائل والطاقة، إلى جانب التمور التي يُستهل بها الإفطار اقتداءً بسنة النبي ﷺ، والفطائر المتنوعة والعصائر الطبيعية.
غير أن هذا الغنى والتنوع لا ينبغي أن يتحول إلى إسراف يُفرغ الصيام من مقاصده، ويرفع مستوى المعيشة بشكل كاذب يفوق الدخل الحقيقي للأسرة. فرمضان، في جوهره، مدرسة للتربية على الاعتدال، وكبح الشهوات، وترسيخ قيم القناعة والتكافل، حتى يظل الصيام عبادة تُهذّب الجسد والروح، لا عبئًا صحيًا واجتماعيًا يعكس أثره سلبًا على الفرد والمجتمع.
بقلم: الدكتور العربي بنقدور



