الحلقة الحادية عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : رمضان في العمل… عبادة منسية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي
تقديم السلسلة الرمضانية
رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.
الحلقة الحادية عشرة
رمضان في العمل… عبادة منسية
من أغرب المفارقات التي تتكرّر كل رمضان، أن يتحوّل الصيام عند بعض الناس من دافع للإتقان إلى مبرّر للتراخي.كأن الجوع عذر جاهز، وكأن التعب رخصة مؤقتة لتعليق الضمير المهني،وكأن العمل لا يدخل أصلًا في معنى العبادة.
في رمضان، تُختصر ساعات العمل، نعم. وتُخفّف الوتيرة، نعم
لكن ما يحدث في الواقع أحيانًا هو تعليق غير معلن لقيمة العمل نفسها. تأخير، تسويف، غياب، لا مبالاة، وعبارات جاهزة تتكرّر والتبريرات كثيرة طبعا (راه رمضان، الصيام صعيب ، ماشي وقت الخدمة…).
وهنا يُطرح السؤال الحقيقي: هل الصيام عذر للتقصير… أم دافع لمضاعفة الأمانة؟. العمل في جوهره ليس مجرد وظيفة أو مصدر دخل، بل مسؤولية أخلاقية. كل شخص في موقعه، مهما كان بسيطًا، يحمل أمانة. أمانة وقت، أمانة خدمة، أمانة ثقة. وحين نُفرّغ العمل من هذه الأمانة، نكون قد أخرجناه من دائرة العبادة، وحوّلناه إلى إجراء ميكانيكي بلا روح.رمضان لم يأتِ ليُعلّق القيم، بل ليُعيد ترتيبها. لم يأتِ ليُخفّف الضمير، بل ليُوقظه. ولم يأتِ ليُبرّر الإهمال، بل ليُدرّب على الصبر والانضباط.
لكن الثقافة السائدة، بصمت، تقول العكس. ثقافة ترى في الصيام حالة استثنائية تُعفي من الجودة، وتُسوّغ الرداءة. الموظف يتأخّر، ويبرّر. المسؤول يُهمل، ويبرّر. المواطن يتجاوز، ويبرّر. الجميع صائم… لكن العمل مفطر على الإهمال.
المؤلم أن هذا السلوك لا يضرّ فقط بصورة العمل، بل بصورة الصيام نفسه. حين يقترن رمضان في أذهان الناس بالكسل، وبالاختلال الإداري، وبالتعطيل غير المبرّر، نخسر رسالة عميقة: أن الصيام تربية على الالتزام، لا هروبًا منه.
العمل في رمضان اختبار أخلاقي حقيقي. ويقضي بأن نطرح أسئلة جادة من قبيل (هل أؤدّي واجبي بنفس الجدية؟،هل أحترم وقت الناس كما أحترم وقت الإفطار؟هل أفي بالتزاماتي، أم أبحث عن أقصر طريق للانسحاب؟…).لا أحد يطالب بالكمال، ولا أحد ينكر التعب. لكن الفرق كبير بين التفهّم والتساهل، بين التخفيف المشروع والتسيّب، بين الرحمة بالنفس وخيانة الأمانة.
في كثير من القطاعات، يدفع المواطن ثمن هذا الخلل. ملفات مؤجّلة، خدمات بطيئة، ردود غائبة. ومع كل ذلك، يُطلب من المواطن أن يتفهّم، لأن (رمضان). لكن من يتفهّم المواطن؟ ومن يعوّض له حقه في خدمة محترمة؟.
رمضان لا يُقصي العمل من العبادة، بل يُدخله في صميمها.أن تعمل وأنت صائم، بإتقان، بنزاهة، بصبر… تلك عبادة لا تقلّ شأنًا عن صلاة أو صدقة. وأن تُهمل وأنت صائم، تلك مفارقة تُفرغ الصيام من روحه وجوهره.
الأمر لا يتعلّق بالقوانين فقط، بل بالضمير المهني. الضمير الذي يسأل صاحبه: هل لو لم يكن رمضان، لكنتُ تصرّفت هكذا؟ وهل يرضيني أن أُعامل بهذه الطريقة لو كنت في موقع المستفيد؟ ..
البيت، بدوره، مدرسة. حين يرى الأبناء أن العمل يُستخفّ به في رمضان، يتعلّمون أن القيم موسمية. وحين يرون الجدية مستمرة، يتعلّمون أن الصيام لا يغيّر الالتزام، بل يعمّقه.نحن لا نحتاج إلى خطب عن العمل في رمضان، بل إلى سلوك يومي صادق. إلى وعي بأن الوقت أمانة، وأن الصيام ليس حجة للتقصير، بل فرصة لإعادة الاعتبار لمعنى الإتقان.
رمضان شهر تهذيب، والعمل أحد ميادين هذا التهذيب.فمن صام عن الطعام، ولم يصم عن الإهمال، فاته درس أساسي. ومن جعل عمله عبادة، فهم الصيام كما ينبغي.



