الاسرة و الطفلميساج

الحلقة الثانية عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : العنف الصامت داخل البيوت

 

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

الحلقة الثانية عشرة
العنف الصامت داخل البيوت

 

لا يُسمَع العنف دائمًا، أحيانًا لا يصرخ، ولا يترك كدمات، ولا يستدعي إسعافًا. أحيانًا يحدث في صمت. في كلمة قاسية، في نظرة تحقير، في تجاهل طويل، في خوفٍ يتعلّم أن يسكن الزوايا. العنف الصامت داخل البيوت أخطر من العنف الظاهر، لأنه يتخفّى في العادي، ويُبرَّر باسم التربية، أو الغيرة، أو القوامة، أو الضغط، أو التعب. ومع الوقت، يصبح جزءًا من المشهد اليومي، لا يُناقَش، ولا يُسمّى، ولا يُعالج.
في رمضان، تُغلق الأبواب أكثر، وتطول ساعات الاجتماع داخل البيت. وهنا يظهر كل ما كان مؤجَّلًا. التوتر، الإرهاق، الضغوط الاقتصادية، الخلافات القديمة… كلها تطفو. لكن بدل أن يكون رمضان فرصة للتهدئة، يتحوّل أحيانًا إلى مسرح لعنف صامت لا يراه أحد.
العنف الصامت ليس ضربًا فقط. بل هو (الإهانة المتكرّرة، السخرية من المشاعر، التقليل من الشأن، التحكم، والمراقبة، والحرمان العاطفي ..).
هو كذلك الصمت العقابي الذي يُستخدم كسلاح. كم من بيت يخلو من الضرب، لكنه مليء بالخوف.وكم من أسرة تبدو متماسكة من الخارج، بينما الداخل هشّ، متصدّع، صامت.
الخطير في هذا النوع من العنف، أنه يُطَبَّع. يُقال عنه: (هكذا هي البيوت، كل الناس هكذا، تحمّل من أجل الاستقرار). وهكذا يتحوّل الأذى إلى واجب، والصبر إلى استنزاف، والسكوت إلى فضيلة زائفة.
النساء غالبًا أول ضحايا هذا العنف، لكن الأطفال أكثر من يدفع ثمنه على المدى البعيد. الطفل الذي يكبر في بيت يسوده التوتر الصامت، يتعلّم الخوف دون أن يفهم سببه. يحمل القلق معه إلى المدرسة، إلى الشارع، إلى مستقبله. يتعلّم أن الحب مشروط، وأن الصمت أأمن من التعبير. والرجل أيضًا قد يكون ضحية، حين يُطالَب دائمًا بالقوة، ويُحرَم من الحق في التعب، أو الشكوى، أو الخطأ. العنف الصامت لا يختار ضحية واحدة، بل يُنهك الجميع.
رمضان لا يبرّر العنف، ولا يصنعه. لكنه يكشفه. يكشف هشاشة التواصل داخل البيوت، وغياب الحوار، واستسهال القسوة. الصيام الحقيقي ليس فقط إمساكًا عن الطعام، بل إمساك عن الأذى، خصوصًا مع من نعيش معهم.
العنف الصامت غالبًا نتيجة تراكم، لا انفجار. تراكم ضغط، وتراكم سوء فهم، وتراكم صمت طويل. وكلما تأخر الكلام، زاد الأذى. وكلما غاب الإصغاء، حضرت القسوة.
البيوت لا تحتاج إلى مثالية، بل إلى مساحات أمان. وذلك بأن يُسمح بالكلام دون خوف، أن يُترف بالتعب دون سخرية ، أن تُحلّ الخلافات بالحوار، لا بالتجاهل أو السيطرة.
الدين الإسلامي لم يأتِ ليُجمّل العنف، بل ليُبطله. ولم يأتِ ليُكرّس الخوف داخل البيوت، بل ليجعلها سكنًا. السكن ليس جدرانًا فقط، بل طمأنينة. وحين يغيب الأمان النفسي، يفقد البيت روحه.
رمضان فرصة نادرة لمراجعة هذا الملف المؤلم، لا بالتشهير، بل بالشجاعة الهادئة. أن نسأل أنفسنا بصدق (هل بيتي آمن نفسيًا؟،هل من يعيش معي يشعر بالاحترام؟،هل أُعبّر عن غضبي دون إيذاء؟، هل أصغي، أم أفرض الصمت؟…
العنف الصامت لا يُعالَج بالإنكار، بل بالاعتراف. ولا يُكسر بالقوة، بل بالتواصل. خطوة صغيرة قد تُنقذ سنوات من الألم: اعتذار صادق، كلمة طيبة، طلب مساعدة، كسر دائرة الصمت.
رمضان ليس شهر الصبر على الأذى، بل شهر إيقافه. ليس شهر تحمّل القسوة، بل شهر تهذيبها. فإذا لم يبدأ الإصلاح من داخل البيوت، فكيف ننتظر مجتمعًا متوازنًا؟
فالعنف الصامت يقتل ببطء، والكلمة الطيبة تُنقذ بصمت، والبيوت التي تتعلّم الرحمة، تُربّي بشرًا أقدر على الحياة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى