عبد الكبير المامون والحلقة السادسة من سلسلة: أنا ومرض تشمع الكبد.. معاناة وألم مستمران إلى اليوم
زراعة الكبد تظل الحل الذي طُرح عليّ لإنهاء المعاناة.. لكنها تبدو مستحيلة أمام وضعي المادي الصعب

عبد الكبير المامون والحلقة السادسة من سلسلة: أنا ومرض تشمع الكبد.. معاناة وألم مستمران إلى اليوم
زراعة الكبد تظل الحل الذي طُرح عليّ لإنهاء المعاناة.. لكنها تبدو مستحيلة أمام وضعي المادي الصعب
تقديم السلسلة: حين ينهك المرض الجسد ويضاعف الخذلان آلام الروح
ليس سهلاً أن يتحول الصحفي، الذي قضى سنوات من عمره يكتب عن آلام الآخرين، وينقل معاناتهم، ويدافع عن قضاياهم، إلى موضوع لحكاية موجعة، يكون هو بطلها وضحيتها، ويجد نفسه هذه المرة في حاجة إلى من ينقل صوته، ويكشف معاناته، ويقف إلى جانبه.
هكذا نواصل، عبر موقع «بديل بريس»، نشر حلقات السلسلة الإنسانية المؤثرة التي يروي فيها الصحفي عبد الكبير المامون تفاصيل معركته القاسية مع مرض تشمع الكبد، وما رافقها من غيبوبات متكررة، ومعاناة جسدية ونفسية ومادية، جعلته يعيش بين الحياة والموت، وبين الأمل في الشفاء والخوف من النهاية.
إنها ليست مجرد يوميات مريض يصارع مرضاً خطيراً، بل شهادة إنسانية عن صحفي أعطى من وقته وجهده وصحته الكثير لمهنة المتاعب، قبل أن يجد نفسه في مواجهة امتحان عسير، لا يقتصر على قسوة المرض وتكاليف العلاج، وإنما يمتد إلى مرارة الخذلان والنكران، وإلى ذلك السؤال المؤلم: أين يذهب الوفاء عندما يحتاج إليه من أفنى سنوات من عمره في خدمة الكلمة والحقيقة والناس؟
فما أقسى أن يكتشف الإنسان، وهو على سرير المرض، أن بعض الذين كانوا قريبين منه في أيام العطاء غابوا عنه في أيام الانكسار، وأن سنوات التضحية لا تكفي دائماً لضمان الاعتراف والوفاء، وأن الصحفي الذي حمل هموم الآخرين قد يجد نفسه وحيداً أمام همومه.
ومع ذلك، فإن حكاية عبد الكبير المامون ليست حكاية خذلان فقط، بل هي أيضاً حكاية وفاء وصمود، تتجسد في زوجة وأبناء وأصدقاء وجيران وأطر طبية ظلوا إلى جانبه، وأثبتوا أن الإنسانية لا تزال قادرة على الانتصار على قسوة المرض وبرودة النسيان.
إن نشر هذه السلسلة ليس استدراراً للعطف، ولا بحثاً عن شفقة عابرة، وإنما هو محاولة لإنصاف إنسان وصحفي، وتذكير بأن من حملوا أقلامهم للدفاع عن المجتمع يستحقون بدورهم الحماية والرعاية والاعتراف، خصوصاً عندما تتراجع صحتهم وتتقلص إمكاناتهم.
وهي أيضاً مناسبة لطرح سؤال أكبر يتعلق بمصير الصحفيين بعد سنوات العطاء: من يحميهم عندما يمرضون؟ ومن يصون كرامتهم عندما تتوقف أقلامهم قسراً؟ وأين مؤسسات المهنة وهيئاتها وصناديق التضامن من معاناة من خدموا الصحافة وأهلها؟
في هذه الحلقة الثالثة، يأخذنا عبد الكبير المامون إلى واحدة من أقسى محطات رحلته مع المرض، حين دخل في غيبوبات كبدية خطيرة، وفقد وعيه، ووجد نفسه داخل قسم الإنعاش، بينما كانت أسرته تعيش ساعات طويلة من الرعب والانتظار، بين احتمال الفقدان وأمل العودة إلى الحياة.
إنها شهادة تستحق أن تُقرأ بعقولنا وقلوبنا، لأن المرض قد يسلب الإنسان صحته، لكن الخذلان قد يضاعف أوجاعه، ولأن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله للإنسان في أيام قوته، بل بما نقدمه له في لحظات ضعفه.
بقلم : بوشعيب حمراوي

الحلقة السادسة ….
زراعة الكبد تظل الحل الذي طُرح عليّ لإنهاء المعاناة.. لكنها تبدو مستحيلة أمام وضعي المادي الصعب
مع استمرار رحلتي العلاجية، بدأت تتضح أمامي حقيقة أكثر قسوة، وهي أن الأدوية التي أتناولها لتدبير مضاعفات المرض لا تعني التخلص من تشمع الكبد، وأن زراعة الكبد تظل، وفق ما أكده الأطباء الذين أشرفوا على حالتي، الحل الذي ينبغي بحثه لإنهاء هذه المعاناة.

غير أن هذا الحل، الذي يحمل أملاً في استعادة الحياة، يبدو بعيد المنال أمام وضعي المادي الصعب، بعدما استنزفتني المبالغ المالية التي صرفتها على الأدوية والمصحات والسفر إلى الخارج طلباً للعلاج.
وما يزيد من ثقل هذه المعاناة أن الأدوية والمكملات الغذائية التي أحتاج إليها باهظة الثمن، ولا يعوض التأمين عن أغلبها. ومن بينها دواء أضطر إلى اقتناء علبة منه تضم 28 قرصاً كل شهر، مقابل 6100 درهم، وهو مبلغ يصعب تحمله في ظل المصاريف المتواصلة للعلاج.
ولم تتوقف متاعبي الصحية عند هذا الحد، فقد اكتشفت لاحقاً أنني مصاب أيضاً بحصى على مستوى المرارة، غير أن استئصالها لم يكن أمراً سهلاً بسبب وضع الكبد.
وحسب ما أخبرتني به الدكتورة المشرفة على حالتي، فقد استشارت عدداً من الأطباء الذين نبهوا إلى خطورة إجراء العملية بالنظر إلى وضعي الصحي، وأوصوا بعلاج دوائي غير متوفر بالمغرب.
وأمام هذا الوضع، تواصلت مع سيدة من معارفي تقيم بفرنسا، وأرسلت إليها الوصفة الطبية التي تتضمن علاجاً لمدة ستة أشهر، على أمل أن تخبرني بثمن الدواء لأرسل لها المبلغ المطلوب، فتتكفل بإرساله إليّ.
لكن المؤلم أنني، بعدما انتظرت مساعدتها، فوجئت بتخليها عن وعدها، وانقطاع التواصل بيننا، لأجد نفسي من جديد أمام معاناة البحث عن العلاج وتوفير الدواء.
لقد وضعتني رحلة المرض أمام محطات قاسية لم أكن أتصور يوماً أن أعيشها، وجعلتني أكتشف حجم المعاناة التي يتحملها المريض وأسرته، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرض خطير ومزمن، تتطلب مضاعفاته متابعة طبية مستمرة وعلاجاً مكلفاً.
فلم يعد المرض يؤثر على جسدي وحده، بل امتدت آثاره إلى حياتي اليومية والنفسية والعائلية، وأصبحت أعيش بين الأمل في التحسن والخوف من الانتكاس، وبين متطلبات العلاج وتكاليفه الثقيلة، التي دفعتني إلى التخلي عن التزاماتي والانشغال بما يفرضه وضعي الصحي.
ولم تتوقف رحلة البحث عن العلاج عند حدود المغرب، بل قادتني معاناتي إلى السفر نحو فرنسا ومصر، في محاولة لمواصلة العلاج والبحث عن كل ما يمكن أن يساعدني على مواجهة المرض واستعادة عافيتي.
هذه بعض فصول حكايتي مع تشمع الكبد؛ حكاية إنسان وجد نفسه فجأة في مواجهة مرض غيّر مجرى حياته، ووضعه أمام محطات قاسية لم يكن يتصور يوماً أنه سيعيشها.
ورغم كل ما مررت به من ألم ومعاناة، ما زلت متشبثاً بالأمل، مستعيناً بالله، وممتناً لكل من مدّ إليّ يد المساعدة وساندني في أصعب لحظات حياتي.
يتبع…

