جمعية شباب بنسليمان لكرة القدم.. تاريخ من الإنجازات وطموحات تصطدم بضعف الدعم وغياب فضاءات التدريب
منذ تأسيسها سنة 2012، صنعت الجمعية مساراً رياضياً وتربوياً مشرفاً وبلغت منصات التتويج الوطنية.. فهل تتحرك الجهات المسؤولة لدعمها وفتح الملاعب والقاعة المغطاة أمام مواهبها الشابة؟

جمعية شباب بنسليمان لكرة القدم.. تاريخ من الإنجازات وطموحات تصطدم بضعف الدعم وغياب فضاءات التدريب
منذ تأسيسها سنة 2012، صنعت الجمعية مساراً رياضياً وتربوياً مشرفاً وبلغت منصات التتويج الوطنية.. فهل تتحرك الجهات المسؤولة لدعمها وفتح الملاعب والقاعة المغطاة أمام مواهبها الشابة؟
بديل بريس
ليست الرياضة مجرد مباريات تُلعب، ولا أهداف تُسجل، ولا كؤوس تُرفع فوق منصات التتويج. إنها مدرسة لصناعة الإنسان، وفضاء لتربية الأجيال على الانضباط والمسؤولية والمواطنة، ووسيلة لحماية الأطفال والشباب من الانحراف والضياع. وحين تنجح جمعية رياضية محلية في أداء هذه الأدوار، رغم محدودية إمكانياتها، فإن أقل ما تستحقه هو الاعتراف بمجهوداتها وتوفير الظروف المناسبة لاستمرارها وتطورها.
ومن بين الجمعيات التي تستحق الالتفاتة والاحتضان بإقليم بنسليمان، تبرز جمعية شباب بنسليمان لكرة القدم، التي راكمت تجربة رياضية وتربوية امتدت لأزيد من أربعة عشر عاماً، وحققت نتائج مشرفة، لكنها ما تزال، وفق المعطيات التي قدمتها، تواجه إكراهات مادية ولوجستيكية تهدد طموحاتها وتحد من قدرتها على توسيع أنشطتها.
من الحي الحسني إلى تمثيل بنسليمان في المحافل الرياضية
تعود بداية هذه التجربة إلى سنة 2012، عندما تأسست الجمعية تحت اسم «جمعية شباب الحي الحسني لكرة القدم»، بمبادرة حملت مشروعاً رياضياً واجتماعياً واضح المعالم، يقوم على تأطير الشباب وتطوير مهاراتهم الكروية، وترسيخ ثقافة الممارسة الرياضية باعتبارها حقاً ومكوناً أساسياً في التنشئة الاجتماعية.

ولم يكن الهدف مقتصراً على تكوين فريق لكرة القدم يخوض المباريات وينافس على الألقاب، بل امتد إلى بناء فضاء تربوي يفتح أبوابه أمام الطاقات الشابة، ويمنحها فرصة لصقل مواهبها، والتشبع بقيم التعاون والاحترام والانضباط والروح الرياضية.
وبفضل مجهودات أطرها ومسيريها ومدربيها ولاعبيها، استطاعت الجمعية أن تتجاوز حدود المشاركة المحلية، وأن تسجل حضوراً مشرفاً في منافسات إقليمية وجهوية ووطنية.
إنجازات رياضية تستحق الاعتراف والتثمين
لا يمكن الحديث عن مؤهلات جمعية شباب بنسليمان دون الوقوف عند محطتين بارزتين في تاريخها.
المحطة الأولى تعود إلى سنة 2014، حين تمكنت الجمعية، بحسب سجل إنجازاتها الذي قدمته، من احتلال الرتبة الأولى محلياً وإقليمياً وجهوياً، في إطار منافسات نظمتها وزارة الشباب والرياضة، قبل أن تحقق الرتبة الثالثة على الصعيد الوطني.
ولعل أبرز ما ميز هذا الإنجاز هو تشرف لاعبي الجمعية بتسلم الكأس والميداليات من صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، في لحظة شكلت مصدر اعتزاز للاعبين والأطر والمسيرين.
أما المحطة الثانية فتتعلق بالموسم الرياضي 2013-2014، حين حققت الجمعية الرتبة الثانية وتمكنت من الصعود إلى القسم الممتاز، وهو إنجاز يؤكد أن العمل القاعدي، حين يقترن بالإرادة وحسن التأطير، قادر على صناعة نتائج تتجاوز حجم الإمكانيات المتاحة.
وكانت الجمعية، وفق إفادة مسؤوليها، قريبة من تحقيق الصعود إلى أقسام الهواة، غير أن محدودية الموارد المالية وصعوبة توفير الظروف المناسبة للطاقم التقني والمدربين حالت دون استكمال ذلك الطموح.
وهي تجربة تستدعي التأمل في مفارقة تتكرر داخل الرياضة المحلية: جمعيات تمتلك المواهب والإرادة والتجربة، لكنها تتعثر عندما تصل إلى مرحلة تتطلب دعماً مالياً وتقنياً ولوجستيكياً منتظماً.
مؤهلات بشرية وتجربة تستحق الاستثمار
إن القيمة الحقيقية لجمعية شباب بنسليمان لا تختزل في ترتيب رياضي أو كأس أو ميدالية، وإنما تكمن أيضاً في رصيدها البشري والتربوي، وفي قدرتها على الاستمرار منذ سنة 2012، رغم الإكراهات.
فالجمعية التي استطاعت تكوين لاعبين والمنافسة على المستوى الوطني، تملك تجربة يمكن البناء عليها لتطوير مدرسة كروية محلية، وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية، وإتاحة فرص جديدة للأطفال واليافعين والشباب.
كما أن وجود جمعيات من هذا النوع يشكل رافعة أساسية لاكتشاف المواهب التي قد لا تجد طريقها إلى الأندية الكبرى بسبب ظروفها الاجتماعية أو المادية.
وهنا تبرز أهمية دعم الرياضة الجمعوية باعتبارها استثماراً في الإنسان قبل أن تكون استثماراً في النتائج.
فكل طفل يجد مكاناً آمناً لممارسة الرياضة هو مشروع مواطن يتعلم احترام القواعد والعمل الجماعي. وكل شاب يجد مدرباً يؤطره وملعباً يحتضن موهبته يحصل على فرصة أفضل لبناء مستقبله بعيداً عن مخاطر الفراغ والانحراف.
ملاعب بنسليمان وقاعتها المغطاة.. لمن أُنشئت إن لم تكن لشباب المدينة؟
من غير المقبول أن تستمر الجمعيات الرياضية الجادة في البحث عن فضاءات للتدريب، بينما توجد بالمدينة مرافق وتجهيزات رياضية يفترض أن تكون في خدمة الساكنة، وخصوصاً الأطفال والشباب.
فالملاعب الرياضية والقاعات المغطاة ليست مجرد بنايات وتجهيزات تُدرج ضمن حصيلة المشاريع المنجزة، بل مرافق عمومية لا تتحقق قيمتها الفعلية إلا بحجم الاستفادة منها، وعدد المستفيدين من خدماتها، ومدى مساهمتها في تنمية الرياضة المحلية.
ومن هذا المنطلق، فإن فتح الملاعب الرياضية والقاعة المغطاة بمدينة بنسليمان أمام جمعية شباب بنسليمان لكرة القدم، وفق برنامج منظم وعادل، أصبح مطلباً مشروعاً يستحق التجاوب من الجهات المسؤولة عن تدبير هذه المنشآت.

ولا يعني هذا المطلب احتكار الجمعية لهذه الفضاءات أو حرمان باقي الأندية والجمعيات منها، بل يقتضي اعتماد جدولة شفافة ومنصفة، تراعي طبيعة الأنشطة الرياضية، وحاجيات الفئات العمرية المختلفة، وقدرة المنشآت على الاستقبال، ومتطلبات السلامة والصيانة.
كما ينبغي تمكين الجمعية من الاستفادة من القاعة المغطاة في الأنشطة البدنية والتكوينية والتربوية الملائمة لطبيعتها وتجهيزاتها، إلى جانب الملاعب المخصصة للتداريب والمباريات.
فالمنشأة الرياضية التي لا يجد فيها شباب المدينة مكاناً لممارسة الرياضة تفقد جزءاً أساسياً من المبرر الاجتماعي الذي أُحدثت من أجله.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: كم ملعباً وقاعة رياضية تتوفر عليها بنسليمان؟ بل أيضاً: كم جمعية تستفيد منها؟ وكم طفلاً وشاباً يحتضن كل مرفق؟ وبأي معايير يتم توزيع أوقات التدريب والاستغلال؟
الدعم العمومي ليس امتيازاً.. بل مسؤولية تجاه الشباب
إن جمعية شباب بنسليمان لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن امتياز استثنائي، وإنما تتطلع إلى شراكة مؤسساتية تتيح لها القيام بالأدوار الرياضية والتربوية والاجتماعية التي تأسست من أجلها.
ولهذا، فإن الدعوة موجهة إلى المجلس الجماعي لبنسليمان، والمجلس الإقليمي، ومجلس جهة الدار البيضاء سطات، والسلطات الإقليمية، والقطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية بالرياضة والشباب، من أجل دراسة سبل مواكبة الجمعية ودعم برامجها وفق الاختصاصات والإمكانيات والمساطر القانونية المعمول بها.

وينبغي ألا ينحصر الدعم في منحة مالية موسمية، مهما كانت أهميتها، بل أن يتخذ شكل شراكة حقيقية تقوم على توفير فضاءات التدريب، والمساعدة في اقتناء التجهيزات الرياضية، ودعم تنقلات الفرق، وتحسين ظروف التأطير، وتشجيع التكوين المستمر للمدربين والمسيرين.
كما أن القطاع الاقتصادي المحلي مدعو إلى الانخراط في هذه الدينامية، من خلال دعم الجمعيات الرياضية الجادة، في إطار المسؤولية الاجتماعية للمقاولات.
فالمساهمة في تكوين الشباب ليست عملاً إحسانياً عابراً، بل استثمار اجتماعي طويل الأمد، تنعكس آثاره على الأسر والأحياء والمدينة بأكملها.
لا ينبغي أن تكون قلة الإمكانيات عقوبة للمواهب
كم من موهبة رياضية ضاعت لأنها لم تجد من يحتضنها؟ وكم من فريق توقف طموحه عند حدود مصاريف التنقل والتجهيز والتأطير؟ وكم من جمعية أُنهكت بالتدبير اليومي بدل الانشغال بتطوير برامجها الرياضية؟
إنها أسئلة ينبغي أن تطرح بجدية عند تقييم واقع الرياضة بإقليم بنسليمان.
فالمواهب لا تولد بالضرورة داخل الأندية الغنية، ولا يرتبط التفوق الرياضي دائماً بحجم الميزانيات. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الأحياء الشعبية والفرق الصغيرة قادرة على إنجاب لاعبين متميزين، عندما تجد التأطير المناسب والفرصة العادلة.
وجمعية شباب بنسليمان، بما راكمته من تجربة وما حققته من نتائج، تقدم نموذجاً لجمعية تستحق مواكبة مؤسساتية تتناسب مع طموحاتها وإمكاناتها.
ومن المؤسف أن تضطر جمعية سبق لها بلوغ منصات التتويج الوطنية إلى استنزاف طاقاتها في البحث المستمر عن موارد مالية وفضاءات تدريب، بدل توظيف تلك الطاقات في اكتشاف المواهب وتكوينها.
نحو تعاقد رياضي جديد يخدم بنسليمان
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من الدعم الظرفي إلى التخطيط الرياضي المحلي، عبر سياسة واضحة تقوم على جرد الجمعيات النشيطة، وتقييم حاجياتها، وتحديد مؤهلاتها ومشاريعها، ووضع برنامج منصف للاستفادة من البنيات الرياضية العمومية.
وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في اتفاقية شراكة متعددة الأطراف، تتيح لجمعية شباب بنسليمان تطوير برامجها التكوينية، مقابل التزامات واضحة في مجال التأطير والحكامة والشفافية وتوسيع قاعدة المستفيدين.
كما يمكن اعتماد برنامج سنوي مشترك لتنظيم دوريات رياضية وأنشطة تربوية لفائدة الأطفال والشباب، بما يعزز حضور الجمعية داخل النسيج الاجتماعي للمدينة.
والأهم أن تتحول الملاعب والقاعات الرياضية إلى فضاءات حية تستقبل الشباب بانتظام، لا إلى منشآت يصعب الولوج إليها بسبب غياب برمجة واضحة أو محدودية فرص الاستفادة.
جمعية تستحق الاحتضان.. وشباب ينتظر الإنصاف
بعد أربعة عشر عاماً من التأسيس والعمل والتكوين والمنافسة، أصبح من حق جمعية شباب بنسليمان لكرة القدم أن تتطلع إلى مرحلة جديدة، عنوانها الاعتراف بمجهوداتها، وتثمين إنجازاتها، ومواكبة طموحاتها.
ولا يتعلق الأمر بالدفاع عن جمعية على حساب أخرى، بل بالدفاع عن مبدأ ينبغي أن يسود في تدبير الشأن الرياضي: كل جمعية جادة، ذات مشروع واضح وحصيلة قابلة للتقييم، تستحق فرصة عادلة للاستفادة من الدعم والمرافق العمومية.
إن بنسليمان بحاجة إلى جمعيات رياضية قوية، وإلى ملاعب مفتوحة، وقاعات نشيطة، ومدربين مؤهلين، وبرامج تتيح للأطفال والشباب ممارسة الرياضة في ظروف تحفظ كرامتهم وتساعدهم على تطوير قدراتهم.
ومن هنا، فإننا نجدد الدعوة إلى فتح الملاعب الرياضية والقاعة المغطاة أمام جمعية شباب بنسليمان، وتمكينها من حصص تدريب منتظمة، وإرساء شراكة تضمن استمراريتها وتساعدها على استعادة طموحاتها التنافسية.
فلا معنى للاحتفاء بإنجازات الشباب فوق منصات التتويج، ثم ترك الجمعيات التي صنعت تلك الإنجازات وحيدة أمام الإكراهات. ولا معنى لبناء الملاعب والقاعات الرياضية إذا لم تكن أبوابها مفتوحة، بعدل وتنظيم، أمام أبناء المدينة وجمعياتها.
إن دعم جمعية شباب بنسليمان ليس مجرد دعم لفريق لكرة القدم، بل هو دعم لمدرسة رياضية وتربوية، واستثمار في مستقبل أجيال تستحق أن تجد من يفتح أمامها الأبواب، لا من يترك أحلامها تتعثر عند أسوار الملاعب المغلقة.
فليكن شعار المرحلة: ملاعب بنسليمان لشباب بنسليمان، والدعم لمن يعمل ويكوّن ويؤطر ويصنع الأمل.



