ميساج

رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد المواطن ثقته في الإنصاف

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

العدالة لا تسير على قدم واحدة

في كل المجتمعات التي اختارت أن تبني مؤسساتها على سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات، لم تكن العدالة مجرد أحكام تصدر داخل القاعات أو نصوص قانونية مدونة في الكتب، بل كانت منظومة متكاملة تتقاسم أدوارها مؤسسات وهيئات ورجال ونساء نذروا أنفسهم لخدمة الحقيقة والإنصاف. وفي قلب هذه المنظومة تقف مهنة المحاماة شامخة، باعتبارها واحدة من أكثر المهن ارتباطا بوجدان المواطنين وبإحساسهم بالأمان القانوني والطمأنينة القضائية.

فالمحامي ليس مجرد مهني يترافع أمام القضاة أو يحرر المذكرات والدفوعات، بل هو عنوان للأمل حين تضيق السبل، وصوت للضعفاء حين تعجز الكلمات عن التعبير، وجسر يربط المواطن بمؤسسات العدالة، ودرع يحتمي به كل من يشعر بأن حقه مهدد أو أن مظلمته تحتاج إلى من يكشف تفاصيلها ويضعها أمام أنظار القضاء.

ولذلك لم يكن غريبا أن ترتبط صورة المحامي في المخيال الجماعي للمغاربة بصورة الرجل أو المرأة اللذين يحملان هموم الناس إلى المحاكم، ويخوضان معارك قانونية يومية دفاعا عن الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية. فكلما اتسعت دائرة الثقة في المحاماة، ازدادت ثقة المواطنين في العدالة نفسها، لأن العدالة لا تكتمل فقط بمن يصدر الأحكام، بل كذلك بمن يشرح الوقائع ويفسر النصوص ويعرض الحجج ويدافع عن الحقوق.

أصحاب البدلة السوداء.. هيبة تتجاوز حدود المهنة

لم تكن البدلة السوداء التي يرتديها المحامون يوما مجرد زي مهني أو تقليد بروتوكولي، بل تحولت عبر عقود طويلة إلى رمز للوقار والاستقلالية والمسؤولية. فهي لباس يحمل في طياته رسالة الدفاع عن الحق والانتصار للقانون ومواجهة الظلم بكل الوسائل المشروعة.
وحين يلج المحامون إلى فضاءات المحاكم، يشعر كثير من المتقاضين بأنهم لم يعودوا وحدهم في مواجهة الإجراءات والمساطر والتعقيدات القانونية. فمجرد حضور المحامي يمنح المواطن شعورا بأن هناك من يتولى شرح قضيته وتتبع ملفه والدفاع عن مصالحه، وأن حقوقه أصبحت بين أيد خبيرة تعرف كيف تحول الوقائع إلى حجج، والوثائق إلى أدلة، والمعاناة إلى مطالب قانونية مشروعة.
إن هيبة المحامي لا تصنعها فقط شهاداته العلمية أو خبرته المهنية، بل يصنعها أيضا ذلك الرصيد التاريخي الذي راكمته المهنة في الدفاع عن الحريات العامة والحقوق الفردية والجماعية. ولهذا يشعر المواطن بالارتياح عندما يرى أصحاب البدلات السوداء يتحركون داخل أروقة المحاكم، لأن وجودهم يرمز إلى أن ميزان العدالة يشتغل بكل مكوناته الطبيعية.

المرافعة.. صوت يبدد الخوف ويزرع الثقة

إذا كان القاضي يمثل سلطة الحكم، وتمثل النيابة العامة سلطة المجتمع والقانون، فإن المحامي يمثل سلطة الدفاع والمؤازرة. فهو الذي يمنح المتقاضي فرصة التعبير عن موقفه بلغة القانون، ويعمل على إبراز كل العناصر التي تساعد المحكمة على الوصول إلى الحقيقة.

ولهذا فإن المرافعات ليست مجرد كلمات تلقى داخل الجلسات، بل هي رسائل طمأنة حقيقية تصل إلى قلوب المتقاضين قبل آذان القضاة. فحين يستمع المواطن إلى محاميه وهو يفند الادعاءات ويعرض الوقائع ويستند إلى النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، يشعر بأن قضيته تجد من يحميها ومن يسهر على ألا تضيع تفاصيلها وسط الملفات والإجراءات.
إن المحامي لا يرافق المواطن في ملف قانوني فقط، بل يرافقه في رحلة نفسية وإنسانية معقدة يختلط فيها الخوف بالأمل والقلق بالانتظار. ولذلك فإن دوره يتجاوز بكثير حدود النصوص القانونية ليصبح دعامة نفسية واجتماعية تسهم في تعزيز الثقة في القضاء ومؤسسات الدولة.

غياب المحامون.. يشعر المتقاضون بفراغ كبير

وعندما يدخل المحامون في إضراب أو يتوقفون عن أداء مهامهم، فإن التأثير لا يقتصر على تعطيل بعض الجلسات أو تأجيل بعض الملفات، بل يمتد إلى الجانب النفسي للمتقاضين الذين يشعرون بأن أحد أهم الأصوات المدافعة عن حقوقهم قد غاب مؤقتا عن المشهد.
صحيح أن ثقة المواطنين في القضاء قائمة، وأن القضاة وممثلي النيابة العامة يؤدون مهامهم وفق القانون والضمير المهني، إلا أن وجود المحامي يظل بالنسبة إلى الكثيرين عنصرا أساسيا في الشعور بالإنصاف والاطمئنان. فهو من يشرح ويحلل ويبرز مكامن القوة والضعف في الملفات، وهو من يكشف أوجه الظلم والتعسف إن وجدت، وهو من يرافق المتقاضي منذ بداية النزاع إلى نهايته.
ولهذا فإن غياب المحامين عن المحاكم يجعل العديد من المواطنين يشعرون بأن جزءا من التوازن الطبيعي داخل منظومة العدالة قد اختل، حتى وإن استمرت المؤسسات الأخرى في أداء أدوارها كاملة.

مطالب المحامين بين الإصلاح المشروع والحوار الضروري

وفي خضم الجدل القائم اليوم بين المحامين ووزير العدل عبد اللطيف وهبي، لا يبدو أن القضية مرتبطة بمطالب فئوية ضيقة أو امتيازات خاصة بقدر ما ترتبط، حسب ما تعلنه الهيئات المهنية، بمستقبل المهنة واستقلاليتها وموقعها داخل منظومة العدالة.
فالمحامون يعبرون عن ملاحظاتهم بشأن بعض مقتضيات مشروع قانون المهنة، وملفات مرتبطة بالمساعدة القضائية والتكوين وشروط الولوج إلى المهنة وتنظيم الهيئات المهنية وصلاحيات المؤسسات التمثيلية للمحامين. كما يعتبرون أن عددا من المقترحات التي تقدموا بها خلال مراحل الحوار لم تجد طريقها إلى النصوص النهائية المعروضة للنقاش.

وقد تختلف الآراء حول بعض هذه المطالب أو بعض تفاصيلها، لكن من الصعب اعتبارها مطالب بلا أساس أو بلا مبررات، خاصة أنها صادرة عن فئة تعتبر من رواد العارفين لقوانين البلاد ومستلزماتها. فئة راكمت تجربة طويلة في التعامل اليومي مع قضايا المواطنين ومشاكل التقاضي. ولذلك فإن الحكمة تقتضي الإنصات لهذه الهواجس والتعامل معها باعتبارها مساهمة في تطوير العدالة لا مواجهة لها.

ويظل وزير العدل عبد اللطيف وهبي في موقع خاص يؤهله أكثر من غيره لقيادة هذا الحوار، ليس فقط بصفته مسؤولا حكوميا، بل أيضا باعتباره محاميا مارس المهنة ويعرف تفاصيلها وانتظارات أهلها. ولذلك فإن المصلحة العامة تقتضي إعادة بناء جسور الثقة والجلوس إلى طاولة الحوار بحثا عن حلول توافقية تحفظ هيبة الدولة واستقلالية المهنة وتخدم المتقاضين.

المادة 67 الحالية والمادة 98 في المشروع الجديد.. جوهر التخوفات المطروحة

من بين أكثر المقتضيات التي تثير نقاشاً داخل أوساط المحامين المادة 67 من القانون الحالي المنظم لمهنة المحاماة، وما يقابلها في المادة 98 من مشروع القانون الجديد. ويعتبر عدد من المحامين أن هاتين المادتين بصيغتهما الحالية أو المقترحة تفتحان الباب أمام تأويلات واسعة بشأن مسطرة التأديب ودور الوكيل العام للملك في تحريكها وتتبعها.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الإشكال لا يتعلق بمبدأ المحاسبة والتأديب في حد ذاته، فالمحامون لا يعارضون إخضاع أي ممارس للمهنة للمساءلة عند ارتكابه مخالفات مهنية أو أخلاقية، بل يكمن التخوف في الكيفية التي يمكن أن تُفعَّل بها هذه المقتضيات، وفي إمكانية تحولها إلى وسيلة لتقييم أداء المحامي المهني أو مواقفه وتصريحاته وآرائه المرتبطة بممارسة الدفاع.

ويعتبر هؤلاء أن المادة 67 الحالية، والمادة 98 من المشروع الجديد، تمنحان للوكيل العام للملك دوراً واسعاً في إثارة المتابعات التأديبية وإحالة الملفات المرتبطة بالمحامين، وهو ما يرون أنه قد يمس بمبدأ استقلالية المهنة إذا لم تحظ هذه الصلاحيات بضمانات أوضح وأكثر دقة. كما يطالبون بتحديد الحدود الفاصلة بين حق المؤسسات القضائية في حماية القانون وأخلاقيات المهنة، وبين حق المحامي في ممارسة الدفاع بحرية واستقلالية دون خوف من المتابعات التأديبية بسبب آرائه أو اجتهاداته المهنية.

ومن هذا المنطلق، يدعو عدد من المحامين إلى إعادة النظر في صياغة مشروع القانون الجديد، وتدقيق مقتضياته بعض المواد بشكل يرفع كل لبس أو غموض، ويضمن التوازن بين واجب المحاسبة من جهة، وضرورة صون استقلالية الدفاع وحصانة المرافعة وحرية التعبير المهني من جهة أخرى، باعتبار أن المحامي شريك أساسي في تحقيق العدالة وليس مجرد طرف خاضع لسلطة الاتهام أو الرقابة الإدارية.
ينما تؤكد وزارة العدل أن هذه المقتضيات تهدف إلى تعزيز الحكامة والتأديب المهني وضمان احترام أخلاقيات المهنة، وليس المساس باستقلاليتها.

المحامي.. شريك المواطن داخل المحاكم وخارجها

والحقيقة أن دور المحامي لا يبدأ عند باب المحكمة ولا ينتهي بصدور الحكم، بل يمتد إلى فضاءات أوسع داخل المجتمع والإدارة والحياة اليومية للمواطنين. فالمحامي يؤدي أدواراً متعددة تتجاوز الترافع والدفاع القضائي، من خلال التبليغ والتحذير والتنبيه إلى المخاطر القانونية، وتقديم الاستشارات والإرشادات، والمساهمة في حل النزاعات قبل وصولها إلى المحاكم، والقيام بأدوار الوساطة القانونية والإدارية بين المواطنين والمؤسسات، فضلاً عن مواكبة الأفراد والمقاولات والجمعيات في مختلف التصرفات والعقود والإجراءات التي قد تكون لها آثار قانونية مستقبلية.

وتزداد أهمية هذه الأدوار في ظل ما يمكن تسميته بالأمية القانونية والثقافية التي لا يزال جزء مهم من المواطنين يعاني منها، نتيجة ضعف التكوين القانوني داخل المنظومة التعليمية، وغياب ثقافة الحقوق والواجبات لدى فئات واسعة من المجتمع. فالكثير من المواطنين قد يجدون أنفسهم عاجزين عن فهم وثيقة إدارية بسيطة، أو عقد، أو مسطرة قانونية، أو قرار صادر عن إدارة عمومية، الأمر الذي يجعلهم في حاجة دائمة إلى من يفسر لهم النصوص ويوجههم إلى المسار الصحيح ويحميهم من الوقوع في أخطاء قد تكلفهم حقوقهم أو مصالحهم.

ولهذا أصبح المحامي بالنسبة إلى عدد كبير من المواطنين مستشاراً قانونياً وموجهاً إدارياً قبل أن يكون مدافعاً أمام القضاء. فهو الذي يساعدهم على فهم حقوقهم والتزاماتهم، ويجنبهم الكثير من النزاعات قبل وقوعها، ويقرب لهم لغة القانون التي تبدو في كثير من الأحيان معقدة وصعبة الفهم. ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للمحاماة باعتبارها خدمة مجتمعية نبيلة تسهم في نشر الوعي القانوني وترسيخ ثقافة المواطنة، وتساعد على بناء علاقة سليمة ومتوازنة بين المواطن والإدارة والمؤسسات العمومية.

الفساد الفردي لا يسقط شرف المحاماة

وإذا كانت المحاماة من أنبل المهن، فإن ذلك لا يعني أنها معصومة من بعض الانحرافات الفردية التي قد تصدر عن قلة قليلة من المنتسبين إليها. فكما هو الحال في مختلف المهن والقطاعات، يوجد الشرفاء والنزهاء الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص، ويوجد أيضا من يسيئون إلى المهنة بتصرفات معزولة لا تعكس قيمها الحقيقية.
غير أن وجود بعض الحالات الفردية لا يمكن أن يكون مبررا للطعن في مهنة كاملة أو التشكيك في آلاف المحامين الذين قضوا حياتهم في الدفاع عن الحقوق والحريات. بل إن مواجهة هذه الانحرافات تظل مسؤولية مشتركة بين الهيئات المهنية والمؤسسات القضائية وأجهزة الرقابة والتأديب، من خلال المحاسبة الصارمة وترتيب الجزاءات القانونية والمهنية الرادعة.
فهيبة المحاماة لا تقوم على التستر على الأخطاء، وإنما تقوم على قدرتها على حماية قيم النزاهة والاستقامة وتطهير نفسها بنفسها كلما ظهرت تجاوزات تمس شرف المهنة أو مصالح المواطنين.

العدالة القوية تحتاج إلى محاماة قوية

إن المحامين لم يكونوا يوما مجرد مهنيين يؤدون وظيفة عادية، بل كانوا على الدوام جزءا أصيلا من الضمانات التي تحمي الحقوق والحريات وتصون كرامة الإنسان. ولهذا فإن قوة العدالة المغربية لا تقاس فقط بالأحكام التي تصدرها المحاكم، بل أيضا بقوة وتماسك واستقلالية مختلف مكوناتها، وفي مقدمتها هيئة الدفاع.
ومن هنا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس انتصار المحامين على وزارة العدل، ولا انتصار الوزارة على المحامين، بل انتصار العدالة على كل أسباب التوتر والخلاف. فالمواطن الذي يقف أمام المحكمة لا يبحث عن صراع المؤسسات، بل يبحث عن الإنصاف. ولا يهمه من سيربح النقاش، بقدر ما يهمه أن يجد أمامه قضاء مستقلا، ومحاماة قوية، ومؤسسات متعاونة تعمل جميعها تحت سقف القانون لخدمة الحق والحقيقة.
وعندما يجلس الجميع إلى طاولة الحوار، وتنتصر الحكمة على التشنج، والتوافق على القطيعة، يكون الرابح الأكبر هو المواطن المغربي الذي يستحق عدالة قوية، عادلة، مستقلة، مطمئنة، وقادرة على حماية حقوقه وصون كرامته في كل الظروف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى