بديل رياضيميساج

نعيب لاعبينا والعيب فينا… وما للاعبينا عيب سوانا

أسود الأطلس أمتعونا وبلغوا ربع النهائي... فهل يحق لنا أن نحاكمهم قبل أن نحاكم منظومتنا الكروية؟

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

قبل أن نحاكم اللاعبين… علينا أن نحاكم أنفسنا بصدق

ما أسرع أن ينقلب بعضنا من التصفيق إلى التجريح، ومن الإشادة إلى الإدانة، ومن رفع اللاعبين إلى مرتبة الأبطال إلى وضعهم، بسبب مباراة واحدة، في خانة المقصرين والمتهمين، وكأن كل ما قدموه قبلها قد مُحي، وكأن الليالي التي أسعدونا فيها لم تقع، وكأن الأداء الجميل والانتصارات واللحظات التاريخية لا قيمة لها أمام تسعين دقيقة لم تسر بالطريقة التي تمناها الجمهور.

لقد تابعنا المنتخب الوطني المغربي وهو يبدع أمام منتخبات قوية ، منها البرازيل وهولندا وكندا.. تابعنها كيف يبدع ، يصمد، وينافس، ويلعب بثقة، ويمنح ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه لحظات من الفرح والفخر والاعتزاز. سهرنا من أجل مبارياته، وانتظرنا صافرة البداية، وتابعنا هجماته بشغف، واحتفلنا بأهدافه، وصفقنا لتصديات حارسه، وقتالية مدافعيه، وإبداع لاعبي وسطه، وتحركات مهاجميه.

وحين كان المنتخب ينتصر، كان اللاعبون أبطالاً في أعين الجميع، وكانت صورهم تملأ الصفحات والمنصات، وكانت الأعلام ترفرف، وكانت عبارات الإشادة تتوالى من كل اتجاه. لكن ما إن تراجع الأداء في مباراة، أو أخطأ لاعب، أو لم تنجح خطة المدرب، حتى ظهرت أصوات اختارت السب والتجريح والتشهير، بل وصل بعضها إلى التشكيك في نزاهة اللاعبين وشرفهم وغيرتهم على القميص الوطني، من دون دليل ولا حجة ولا احترام لما قدموه طوال مشوارهم.
وهنا ينبغي أن نتوقف ونتساءل : هل من الوفاء أن نهتف للاعب حين يمنحنا الفرح، ثم ندير له ظهورنا حين يتعثر؟ وهل من العدل أن نمحو مساراً كاملاً بسبب مباراة واحدة؟ وهل كان أداء جميع اللاعبين سيئاً؟ وهل كل أداء سلبي يعني غياب النزاهة أو الوطنية أو الشرف؟ وهل اللاعب الذي لم يكن موفقاً في مباراة يصبح خائناً أو متهاوناً أو غير جدير بحمل القميص الوطني؟


إن النقد حق، بل هو ضرورة في كل مجال، بما فيه الرياضة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد المبني على التحليل والاحترام، وبين السب والإهانة والتخوين؛ وهناك فرق بين مساءلة الاختيارات التكتيكية وبين الطعن في الشرف، وبين تقييم أداء لاعب وبين تحطيمه نفسياً أمام أسرته وملايين المتابعين.
المنتخب الوطني ليس ملكاً للمنتصرين فقط. إنه منتخبنا في الفوز والخسارة، في التألق والتراجع، في لحظات القوة وفي ساعات الانكسار. وإذا أردنا أن نكون جمهوراً يحمل صفة المشجع، ويستحق منتخباً كبيراً، فعلينا أن نتعلم كيف نساند، وكيف ننتقد، وكيف نختلف، وكيف نحفظ للاعب كرامته وإنسانيته.

والأهم من ذلك كله، علينا أن ندرك بدقة ما نحن عليه، وما نملكه، وما أعددناه، وما وفرناه لكرة القدم، قبل أن نطالب بالتتويج بكأس العالم أو بلوغ النهائي أو نصف النهائي. فمن لا يبني قاعدة قوية لا يحق له أن يحمل القمة وحدها مسؤولية كل الأحلام.

كيف ندير ظهورنا لمن منحونا ليالي الفرح؟

لا يجوز أن نتصرف وكأن المنتخب الوطني لم يقدم شيئاً. لقد تابعنا لاعبيه وهم يواجهون منتخبات عريقة وقوية، ويدخلون المباريات من دون خوف أو عقدة نقص، ويحاولون فرض أسلوبهم، ويقاتلون من أجل كل كرة، ويحملون على أكتافهم طموحات شعب كامل. ليس وحده العرق الذب نزف فوق أرضية ملاعب الولايات المتحدة والمكسيك. بل نزفت حتى الدماء ومزقت الأقمصة. وسالت الدموع عند الفرح والحزن فوق العشب الأخضر. قبل أن تنزف فوق المدرجات وأمام الشاشات.

في دور المجموعات، واجه المنتخب مدارس كروية مختلفة، وأظهر قدرة على التأقلم مع القوة البدنية والمهارات الفردية والضغط العالي وسرعة التحولات. وفي دور الـ32، دخل مرحلة الإقصاء المباشر، حيث يصبح الخطأ الواحد مكلفاً، ويتحول الضغط النفسي إلى خصم إضافي، ومع ذلك صمد وتأهل. وفي دور الـ16، واصل المشوار وبلغ ربع النهائي، ليصبح المنتخب العربي والإفريقي الوحيد الذي بقي صامداً إلى تلك المرحلة المتقدمة من البطولة.
ولعل من أقوى الأدلة على قيمة ما حققه هذا المنتخب أنه، رغم خروجه من ربع نهائي كأس العالم، حافظ على مكانته بين كبار المنتخبات العالمية، إذ يحتل المنتخب المغربي المركز السادس في أحدث تصنيف عالمي، ليظل أفضل منتخب عربي وإفريقي، ومنافساً لأعرق المدارس الكروية في العالم.

وهذا التصنيف لا يُمنح بالعاطفة ولا بالمجاملة، بل هو ثمرة نتائج وإنجازات متراكمة ومستويات ثابتة أمام كبار المنتخبات. ولذلك، فإن منتخباً يحتل المركز السادس عالمياً لا يمكن أن يُقابل بالسب والتجريح والتشكيك، بل يستحق الاحترام والدعم والعمل على توفير الظروف التي تمكنه من التقدم أكثر، بدل تحميله وحده مسؤولية حلم لم نوفر له بعد كل شروط تحقيقه.

ألا يستحق ذلك التهنئة؟ ألا يستحق الاحتفال؟ ألا يستحق اللاعبون أن نقول لهم شكراً، بدل أن نبحث عن طرق لإهانتهم؟

ليس معنى الاحتفال بالإنجاز أننا نرفض النقد أو نخفي الأخطاء، بل معناه أن نعطي لكل شيء حجمه الحقيقي: نهنئ على ما تحقق، ونحلل ما لم يتحقق، ونصحح الاختلالات، ونحافظ على كرامة الذين حملوا القميص الوطني وقاتلوا من أجله.
فالوصول إلى ربع نهائي كأس العالم ليس أمراً بسيطاً أو مضموناً. منتخبات عريقة، تملك دوريات قوية، وأندية غنية، وأكاديميات منتشرة، وقواعد بشرية هائلة، غادرت قبل المغرب. فلماذا نتعامل نحن مع التأهل إلى ربع النهائي وكأنه لا يساوي شيئاً فقط لأن طموحنا ارتفع وأصبحنا نحلم بالكأس؟
الطموح مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ظلم ، واللاعبون بشر… فلماذا لا نراعي حزنهم ونفسياتهم؟. وحين يخسر المنتخب، لا يحزن الجمهور وحده. اللاعبون أيضاً يحزنون، وربما يكون ألمهم أشد، لأنهم كانوا داخل الملعب، ولأنهم يعرفون حجم الفرصة التي ضاعت، ولأنهم يشعرون بأن ملايين المواطنين كانوا ينتظرون منهم المزيد.
إنهم بشر، وليسوا آلات. لهم أسر وأبناء وآباء وأمهات. يقرأون التعليقات، ويتابعون ما يكتب عنهم، ويتأثرون بالسب والسخرية والاتهامات. وقد يتحول النقد الجارح إلى ضغط نفسي يؤثر في اللاعب داخل الملعب وخارجه.
نحن نطالب اللاعب بالتركيز والثقة والإبداع، ثم ننهال عليه بالإهانات عند أول تراجع. نطلب منه أن يتحمل ضغط المنافس والمدرجات والإعلام، ثم نضيف إليه ضغط الشك في شرفه ونزاهته. فكيف نريد منه أن يقدم الأفضل؟
ومن قال إن اللاعب الذي لم يوفق في مباراة لم يكن حزيناً أو متألماً أو غاضباً من نفسه؟ ومن منحنا الحق في أن نطعن في وطنيته لمجرد أنه أخطأ في تمريرة، أو أضاع فرصة، أو خسر مواجهة؟
إن اللاعب قد يمر بيوم سيئ، كما يحدث لكل إنسان في عمله. وقد يتأثر بالإرهاق، أو الإصابة، أو الخطة، أو قوة الخصم، أو ضغط المباراة. وهذه كلها عناصر رياضية تُناقش بعقل، لا باتهامات تمس الكرامة والشرف.
حين نراعي نفسية اللاعب، فإننا لا ندلله، بل نحمي أحد مكونات المنتخب الوطني. وحين ننتقده باحترام، فإننا نساعده على العودة. أما حين نحطمه نفسياً، فإننا نلحق الضرر به وبالمنتخب معاً.

ليس كل من تراجع أداؤه مقصراً… وليس كل من أخطأ خائناً
من أخطر ما يمكن أن يصيب النقاش الرياضي أن يتحول الخطأ الفني إلى اتهام أخلاقي. اللاعب قد يخطئ في التموضع، أو يضيع فرصة، أو يتأخر في التمرير، أو يفقد الكرة، أو يقدم مباراة دون مستواه، وكل ذلك قابل للتحليل والتقييم. لكن الانتقال من القول إن اللاعب لم يكن موفقاً إلى اتهامه بعدم النزاهة أو بعدم الدفاع عن القميص الوطني هو قفزة خطيرة لا تستند إلى منطق أو دليل.
فالشرف والنزاهة لا يسقطان بسبب نتيجة مباراة، والوطنية لا تقاس بعدد الأهداف فقط . لقد اختار عدد من اللاعبين تمثيل المغرب، وبعضهم كان يستطيع الدفاع عن ألوان منتخبات أخرى، وتحملوا ضغط الجماهير والسفر والتجمعات والمباريات، وقدموا مستويات عالية في مناسبات عديدة. فلا يجوز أن يصبح كل ذلك بلا قيمة عند أول خسارة.
من حقنا أن نسأل عن الأداء، وعن الاختيارات، وعن الاستعداد، وعن الجاهزية. لكن ليس من حقنا أن نحول الشك إلى حقيقة، والإشاعة إلى حكم، والغضب إلى إدانة.

هل نستحق حقاً ما نطالب به؟

قبل أن نطالب بالتتويج بكأس العالم، علينا أن نقف أمام المرآة ونتساءل:
هل بنينا منظومة كروية تجعل التتويج نتيجة طبيعية؟ وهل لدينا مناهج وبرامج وطنية متكاملة لصناعة اللاعبين؟ وهل وفرنا لكل طفل موهوب فرصة عادلة؟ وهل نملك قاعدة واسعة من الأندية والمدارس والأكاديميات ومراكز التكوين القادرة على اكتشاف آلاف المواهب ورعايتها؟.
هل تتوفر المؤسسات التعليمية على ملاعب وتجهيزات وأطر وبرامج للمنافسة المنتظمة؟ وهل تؤدي دور الشباب دورها في احتضان الأطفال؟ وهل تضع المجالس المنتخبة الرياضة ضمن أولوياتها؟ وهل تخصص الجماعات الترابية ميزانيات واضحة للتكوين الرياضي، أم إن دعمها يبقى موسمياً ومحدوداً وخاضعاً للاعتبارات الضيقة؟
هل نملك بطولات قوية للفئات الصغرى؟ وهل تفتح الأندية أبوابها لجميع المواهب، أم إن الانخراط والتكوين والانتقاء في بعض المؤسسات تحكمه العلاقات والقدرة المادية للأسرة؟
هذه الأسئلة ليست تهرباً من تقييم المنتخب، بل هي أساس التقييم العادل، لأن النتيجة التي نطالب بها يجب أن تكون متناسبة مع حجم العمل الذي نقوم به.
ولا يجوز أن نهمل التكوين لعقود، ثم نطالب جيلاً محدوداً من اللاعبين بأن يعوض وحده كل ذلك، ويحمل فوق أكتافه مسؤولية أخطاء الدولة والمجتمع والأندية والمؤسسات التعليمية والجماعات الترابية والإعلام والجمهور.

لا تحملوا المبدعين أكثر من طاقتهم

كل مجتمع يحتاج إلى أن يعرف إمكانياته وحدوده ونقاط قوته وضعفه. والتقييم الدقيق لا يعني التقليل من الطموح، بل يعني بناء الطموح على أسس واقعية.
حين يظهر لدينا لاعب مبدع أو جيل متميز، نحمله بسرعة أكثر مما يحتمل. نطالبه بالفوز دائماً، ونطالبه بإنقاذ صورة الكرة الوطنية، ونطالبه بالتتويج، ونطالبه بأن يعوض غياب عشرات الأكاديميات ومئات المدارس وآلاف المؤطرين. وهذا غير عادل.
اللاعب المبدع يحتاج إلى منظومة تحميه وتسانده، لا إلى مجتمع يضع فوق كتفيه كل أحلامه وكل إخفاقاته.
إن الوصول إلى القمة مسؤولية مشتركة. اللاعب يؤدي دوره داخل الملعب، والمدرب يؤدي دوره في الإعداد والاختيار، والجامعة مسؤولة عن التخطيط، والأندية مسؤولة عن التكوين، والمدرسة مسؤولة عن الاكتشاف الأول، والحكومة مسؤولة عن السياسات العمومية، والمجالس المنتخبة مسؤولة عن البنية والدعم المحلي، والإعلام مسؤول عن التوعية والنقد المهني، والجمهور مسؤول عن التشجيع الحضاري.
فإذا فشل الجميع في أداء أدوارهم، لا يجوز أن نختزل كل المسؤولية في لاعب أضاع فرصة أو منتخب خسر مباراة.
أكاديمية محمد السادس تجربة ناجحة… لكنها لا تكفي لبلد كامل

لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي قامت وتقوم به أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، ولا ما قدمته من لاعبين ساهموا في إشعاع الكرة المغربية.
كما توجد بعض المدارس والمراكز التي يحتضنها لاعبون دوليون سابقون، وتقدم عملاً جاداً في التكوين والتأطير. لكن بلداً بحجم المغرب، بعدد مدنه وقراه وأطفاله وشبابه، لا يمكن أن يعتمد على أكاديمية واحدة أو مجموعة محدودة من التجارب.
نحن بحاجة إلى منظومة وطنية منتشرة في كل الجهات والأقاليم، وإلى أكاديميات ومراكز إقليمية وجهوية، ومدارس كروية داخل المدن الصغيرة والقرى، وبرامج لاكتشاف المواهب داخل المؤسسات التعليمية.
فالطفل الموهوب في قرية نائية لا ينبغي أن تكون فرصته أقل من طفل يسكن قرب مركز تكوين كبير، والموهبة لا يجب أن تصبح رهينة الجغرافيا أو المال أو العلاقات.

التكوين في المغرب… عشوائية وضبابية رغم توفر الأطر

المغرب لا يعاني من قلة المواهب ولا من غياب الأطر. هناك مدربون ومؤطرون أكفاء، ولاعبون سابقون يملكون التجربة والرغبة في نقلها إلى الأجيال الجديدة. لكن كثيراً من المبادرات تصطدم بغياب الاحتضان المالي والمؤسساتي.
مدارس كروية وجمعيات رياضية في مدن وقرى مختلفة تعمل بإمكانيات محدودة. مؤطرون يدفعون من مالهم الخاص. أسر تتحمل تكاليف النقل والتجهيز والانخراط. أطفال يتدربون في ملاعب غير مؤهلة، أو يتوقفون لأن أسرهم لا تستطيع الاستمرار.عدد قليل منهم ينجح في مواصلة مساره، أما البقية فتضيع مواهبهم مع الوقت.
قد يكون الطفل في سن العاشرة مشروع لاعب كبير، لكنه يصل إلى السادسة عشرة وقد فقد جزءاً كبيراً من مهاراته بسبب غياب التدريب المنتظم، والمنافسة، والمتابعة الصحية والغذائية والنفسية.
فهل يمكن بعد ذلك أن نسأل: لماذا لا ننتج عشرات النجوم كل سنة؟
المشكلة ليست في الطفل، بل في المنظومة التي تركته وحيداً.

الأندية المغربية… بين غياب المشروع وسيادة التدبير اليومي

الأندية هي العمود الفقري لأي نهضة كروية. لكن عدداً كبيراً من الأندية المغربية لا يملك مشروعاً رياضياً بعيد المدى. يعيش من موسم إلى موسم، ومن مكتب مسير إلى آخر، ومن أزمة مالية إلى أزمة أشد.
يصبح الهدف الأول هو إنقاذ الفريق الأول من النزول، أو تحقيق نتيجة سريعة، أو التعاقد مع لاعبين جاهزين، بينما يبقى التكوين في أسفل سلم الأولويات.
بعض المكاتب المسيرة تصل إلى إدارة الأندية من دون مشروع واضح أو خبرة كافية في التدبير الرياضي والمالي والتواصلي. وقد تسيطر داخل بعض الأندية الصراعات الشخصية والحسابات الانتخابية، ويتغير المدربون واللاعبون والمسؤولون باستمرار، فيضيع الاستقرار، وتضيع معه إمكانية البناء.
النادي الحقيقي ليس فريقاً أول فقط، بل هو مدرسة، وفئات عمرية، ومركز تكوين، وإدارة مالية، وجهاز طبي، وأطر تقنية، وتواصل مع الجمهور، وبرنامج اجتماعي داخل المدينة.
أما النادي الذي يستهلك الدعم والميزانية في الفريق الأول، ولا ينتج لاعبين، ولا يكوّن مدربين، ولا يفتح أبوابه للأطفال، فإنه يبقى نادياً يستهلك الحاضر ولا يبني المستقبل. ويضيع معه أطفال وشباب المنطقة.

الانخراط داخل الأندية… هل هو حق مفتوح أم دائرة مغلقة؟

 

لا يمكن الحديث عن حكامة الأندية من دون الحديث عن الانخراط.
فالمنخرط يفترض أن يكون شريكاً في حياة النادي، يراقب، ويقترح، ويحاسب، ويختار المكتب المسير. لكن هل الانخراط مفتوح فعلاً أمام جميع محبي الأندية؟ وهل توجد شروط معلنة وشفافة؟ وهل يعرف الجمهور كيف يقدم طلب الانخراط؟ وهل تتم معالجة الطلبات وفق معايير واضحة؟
أم أن باب الانخراط في بعض الأندية يظل ضيقاً، ويقتصر على دائرة محدودة تضمن استمرار التوازنات نفسها؟
حين يصبح الانخراط مغلقاً أو انتقائياً، تفقد الجمعيات الرياضية جزءاً من ديمقراطيتها، وتتحول الجموع العامة إلى مناسبات شكلية، وتضعف المحاسبة، ويصبح المكتب المسير بعيداً عن الجمهور والمدينة.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من فتح الأبواب، ونشر التقارير المالية والأدبية، وتوضيح طرق صرف الدعم، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الدعم المحلي… وعود كثيرة واحتضان ضعيف

تعاني أندية وجمعيات ومدارس كروية كثيرة، خصوصاً في المدن الصغيرة والقرى، من ضعف الدعم المحلي.
تشتغل وسط ظروف صعبة، وتحاول احتضان أطفال وشباب وإنقاذهم من الفراغ والانحراف، لكنها لا تجد ما يكفي من التجهيزات أو المنح أو الملاعب أو وسائل النقل.
وفي المقابل، تُصرف أحياناً ميزانيات على تظاهرات موسمية، أو يقدم دعم محدود لا يستند إلى مشروع واضح أو معايير دقيقة.
المطلوب ليس توزيع المال بلا رقابة، بل بناء سياسة محلية للرياضة.
كل جماعة ينبغي أن تتوفر على خريطة رياضية تعرف عدد الأندية والجمعيات والممارسين والملاعب والحاجيات. وكل مجلس منتخب يجب أن يدرك أن دعم الرياضة ليس صدقة، بل استثمار في التربية والصحة والأمن والاندماج الاجتماعي.
فالطفل الذي يجد مدرباً وملعباً ومنافسة منتظمة هو طفل أقل عرضة للفراغ والانحراف والإدمان.
في المغرب جمعيات كثيرة تعمل بعيداً عن الأضواء، لا تملك ميزانيات كبيرة، ولا مقرات مريحة، ولا ملاعب خاصة، لكنها تستقبل الأطفال، وتدربهم، وتحاول المحافظة على أحلامهم.
هذه الجمعيات هي التي تحتاج إلى الاحتضان الحقيقي. تحتاج إلى ملاعب في أوقات مناسبة، وتجهيزات، ومنح، وتكوين للأطر، وتأمين للممارسين، ودعم للنقل.
لكن كثيراً منها يظل مهمشاً، بينما تضيع طاقات المؤطرين ومهارات الأطفال. والمؤلم أن المجتمع لا يكتشف الموهبة إلا بعد أن تنجح وحدها أو تتبناها جهة أجنبية. وحين يبرز لاعب مغربي في بطولة أوروبية، نسارع إلى الاحتفال به، لكننا نادراً ما نسأل: لماذا احتاج إلى مؤسسة أجنبية حتى يجد التكوين الذي يستحقه؟
إن احتضان اللاعبين المغاربة بالخارج مكسب، وأبناء الجالية جزء أصيل من الوطن. لكن لا ينبغي أن يتحول البحث عن المواهب في أوروبا إلى بديل عن صناعة المواهب داخل المغرب.

الجمهور الذي يحب المنتخب لا يسبه عند الخسارة

الجمهور عنصر أساسي في كرة القدم، وقد أثبت الجمهور المغربي مراراً أنه قادر على صناعة صور رائعة من الدعم والانتماء.
لكن الجمهور الحقيقي لا يحب المنتخب فقط حين ينتصر. المشجع الواعي يعرف متى يصفق، ومتى ينتقد، ومتى يحتج، ومتى يتراجع خطوة لحماية اللاعبين. لا يطلب منه أحد الصمت أمام الأخطاء، بل المطلوب أن يكون نقده مسؤولاً.
يمكن أن ننتقد المدرب، ونناقش التشكيلة، ونسائل الجامعة، ونختلف حول أداء اللاعبين، لكن من دون سب ولا قذف ولا تشكيك في الشرف.
الجمهور هو اللاعب رقم اثني عشر حين يساند الفريق في أصعب لحظاته، لا حين يصفق له بعد الأهداف فقط.

التقييم الدقيق لا يقتل الحلم… بل يقوي نسب تحقيقه

نحتاج إلى ثقافة جديدة في تقييم نتائجنا الرياضية. لا نريد التهوين من الإنجازات، ولا المبالغة فيها. لا نريد أن نصف كل فوز بأنه معجزة، ولا كل خسارة بأنها كارثة.
نريد تقييماً دقيقاً وشفافاً يحدد مستوى المنتخب، وقوة الخصوم، والإمكانيات المتوفرة، ونوعية التكوين، ومدى تطور الأندية، وحجم الاستثمار في القاعدة.
حين نعرف حقيقة ما نحن عليه، يمكننا أن نحدد ما نستحقه الآن، وما يمكننا الوصول إليه مستقبلاً. وقد يكون بلوغ ربع النهائي إنجازاً عظيماً في مرحلة معينة، لكنه يصبح نتيجة عادية إذا بنينا منظومة قوية خلال سنوات.
أما أن نتصرف وكأن كأس العالم حق مكتسب، ثم نصب غضبنا على اللاعبين حين لا يعودون بها، فذلك ظلم وسوء تقدير.

شكراً يا أسود الأطلس .. أديتم واجبكم، فمتى نؤدي نحن واجبنا؟

شكراً لأسود الأطلس الذين جعلونا نسهر وننتظر ونفرح ونحلم.
شكراً للاعبين الذين واجهوا منتخبات قوية من دون خوف.
شكراً لمن ركض وقاتل ودافع وسجل وتصدى، ومن حمل القميص الوطني بكرامة.
وشكراً لمن بلغ بمنتخب المغرب ربع نهائي كأس العالم، وجعله المنتخب العربي والإفريقي الوحيد الذي صمد حتى تلك المرحلة، وخرج وهو يحتل المركز السادس عالمياً، وأفضل منتخب عربي وإفريقي، بينما غادرت قبله منتخبات تمتلك دوريات أقوى، وأندية أغنى، وإمكانات أكبر.
من حقنا أن نحزن لأن الحلم توقف، ومن حقنا أن ننتقد الأداء والاختيارات والأخطاء. لكن ليس من حقنا أن نهين اللاعبين أو نشكك في شرفهم ونزاهتهم من دون دليل، وليس من الوفاء أن نفرح بهم عند الفوز ثم ندير لهم ظهورنا عند الخسارة.
علينا أن نراعي حزنهم ونفسياتهم، وأن نتذكر أنهم كانوا يريدون التتويج مثلنا، وربما أكثر منا.
لكن علينا أيضاً أن نطرح السؤال الأصعب: هل نستحق نحن ما نطالبهم به؟
ماذا بنينا؟ ماذا وفرنا؟ كم طفلاً احتضنا؟ كم جمعية دعمنا؟ كم نادياً أصلحنا؟ كم ملعباً جهزنا؟ كم مدرسة ربطناها بمشروع رياضي؟ كم مكتباً مسيراً حاسبنا؟ كم باب انخراط فتحنا؟ وكم موهبة أنقذناها من الضياع؟
لا يمكننا أن نبقى مجتمعاً يهمل صناعة الأبطال، ثم يغضب لأن الأبطال القلائل لم يحققوا كل أحلامه. ولا يجوز أن نحمل كل لاعب مبدع أكثر من طاقته، ونجعله مسؤولاً عن تاريخ طويل من العشوائية، وضعف التكوين، وقلة الاحتضان.
إذا أردنا التتويج بكأس العالم، فلنبنِ أولاً منظومة تستحق كأس العالم. وإذا أردنا منتخباً يبلغ النهائي، فلنبنِ أندية ومدارس وأكاديميات تستطيع إنتاج لاعبي النهائي. لنعد العدة ونحن الآن على بعد أربع سنوات من تنظيم كأس العالم داخل بلدنا.. مونديال 2030.
وإذا أردنا محاسبة عادلة، فلنحاسب الدولة والحكومة والجامعة والأندية والمجالس المنتخبة والمؤسسات التعليمية والإعلام والجمهور، كلٌّ بحسب مسؤوليته، قبل أن نجعل لاعباً واحداً أو جيلاً واحداً كبش فداء.
لقد أبدع اللاعبون بقدر ما أتيح لهم، وبلغوا مرحلة متقدمة رغم كل الاختلالات التي تحيط بكرة القدم الوطنية.
لذلك، فواجبنا اليوم ليس رجمهم بالكلمات، بل تهنئتهم، وحمايتهم، ونقدهم باحترام، ثم الشروع بجدية في إصلاح المنظومة.
فالمنتخب أدى واجبه بشرف. ويبقى السؤال الذي يجب أن يلاحقنا جميعا : هل سنؤدي نحن واجبنا حتى لا نطالب أبناءنا غداً بما لم نوفر لهم شروط تحقيقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى