البرلمان يصادق على قانون 69.24: قراءة نقدية في مبادرة اجتماعية بمخاطر تطبيقية..

بقلم : حميد فوزي
“قانون 69.24 بين الوعد والشك: هل تنقذ مؤسسة الأعمال الاجتماعية موظفي المحافظة العقارية؟”
صادق مجلس النواب يوم الاثنين 13 يوليوز 2026 بالإجماع على مشروع قانون رقم 69.24 القاضي بإحداث وتنظيم مؤسسة للنهوض بالأعمال الاجتماعية لفائدة مستخدمي الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. بديهة القرار تبدو استجابة مرغوبة لمطالب متكررة داخل مؤسسة تعنى بحفظ سجلات الملكية والخرائط، وهو اعتراف رسمي بأهمية العنصر البشري في مرفق يرتبط دقَّته بأمن الملكية والاستثمار، لكن هذه الخطوة التي تكتسي طابعاً احتفالياً تحتاج إلى قراءة نقدية تتجاوز مجرّد الترحيب وتقف عند المضمون، والحوكمة، وآليات التمويل، وإمكانات التطبيق الفعلي.

إحداث مؤسسة متخصصة يحمل بعداً إيجابياً مفهوماً: تخصيص موارد وبرامج لسكن وصحة وتكوين مستخدمي وكالة متفرعة تؤثر مباشرة على أداء إدارة السجلات والعلاقات مع المواطن. مؤسسة اجتماعية منسقة يمكن أن ترفع من درجة الاستقرار المهني، تدعم تكوينا مهنياً يتلاءم مع متطلبات التحديث الرقمي لقاعدة البيانات العقارية، وتخفف ضغوطاً اجتماعية قد تنعكس على جودة الخدمة العمومية. بهذا المعنى، يوفر القانون أرضية لإرساء سياسات اجتماعية متجاوبة مع خصوصيات العاملين في الحقل التقني والإداري المرتبط بالمحافظة العقارية والمسح.
مع ذلك، يثير النص عدداً من الملاحظات الأساسية التي قد تفرمل أثره أو تحوّله إلى حل شكلي. أولى هذه الملاحظات تتعلق بالتمويل الذي لم ترسُ معالمه بشكل واضح في صياغة مشروع القانون، فغياب نصوص ملزِمة تحدّد مصادر موارد المؤسسة وسبل استمراريتها يفتح الباب أمام اختلالات لاحقة، من نقص في الإيفاء بالبرامج إلى تحول الأولويات تحت ضغوط مالية. وثانية، مسألة الاستقلالية الإدارية والمالية؛ إذ إن إعلان مؤسسة مستقلة بالاسم قد لا يكفي ما لم تُضمن آليات فعليّة تمنع هيمنة الإدارة المركزية للوكالة أو الوصاية على قرارات التسيير والاستخدام، وإلا فلن تكون المؤسسة سوى ملحق إداري لا يملك حرية صنع القرار الاجتماعي الفاعل. ثالثة، تمثيلية المستفيدين ومبدأ المساءلة؛ إذ إن نجاح أي مؤسسة اجتماعية رهين بتمثيل فعلي لنقابات وممثلي الموظفين داخل هيئات التسيير والرقابة، وبآليات شفافة لنشر تقارير الأداء والمالية أمام البرلمان والرأي العام.
لا ينفصل تقييم القانون عن قراءته في سياقه السياسي والاجتماعي؛ فالمصادقة بالإجماع قد تُقرأ كإشارة لتهدئة مطالب وظيفية قائمة أو كإجراء رمزي يُطمئن الشارع المهني، لكنها لا تضمن نتائج تطبيقية ما لم تترجم البنود العامة إلى لوائح تنظيمية صارمة ومُلزِمة. المرحلة الحاسمة إذن ليست المصادقة بل إعداد اللوائح التنفيذية التي ستحدد معايير الاستفادة، شمولية الخدمات، نسب التمثيل في مجالس التسيير، وآليات الرقابة الداخلية والخارجية.
لكي لا يتحول مشروع القانون إلى حبر على ورق تقترح القراءة العملية عدداً من الضمانات: فصل واضح بين الإدارة التقنية للوكالة وهيئات تدبير المؤسسة مع نصوص دستورية أو تشريعية تضمن حكمها الذاتي، وإسناد تمثيلية حقيقية للنقابات ومستخدمي الوكالة في مجالس التسيير؛ اعتماد مزيج تمويل متنوع يضم اعتمادات من الميزانية العامة، مساهمات رمزية عادلة من المستفيدين، وعائدات مشاريع استثمارية خاضعة لرقابة شفافة؛ تحديد حد أدنى ملزم للخدمات (رعاية صحية، سكن، دعم اجتماعي، برامج تكوينية) مع معايير استفادة واضحة تمنع أي نوع من الانتقائية أو المحسوبية؛ وإرساء آلية رقابية مستقلة تنشر تقارير سنوية متاحة للبرلمان وللعموم تتضمن بيانات مالية واجتماعية ومؤشرات أداء.
تحديد مؤشرات قياس النجاح أمر ضروري لإبقاء التقييم موضوعياً: نسب المستفيدين الفعليين سنوياً، استقرار مصادر التمويل، نتائج استقصاءات رضا الموظفين حول السكن والصحة والتكوين، وتحسين مؤشرات الأداء في إدارة السجلات والخرائط كنتيجة لرفع مستوى الكفاءة عبر دعم التكوين والتجهيز. مثل هذه المؤشرات تحوّل المؤسسة من إطار إسمي إلى جهاز يقاس بالأرقام والنتائج، ويعطي حق الرد أمام البرلمان والمواطنين إذا ما تراجع الأداء.
في خاتمة العملية التشريعية يظل قانون 69.24 فرصة لإصلاح اجتماعي داخل مؤسسة حيوية، لكنه ليس نصراً مسبقاً على طريق التحسين. نجاحه مرهون بصياغة لوائح تطبيقية واضحة، بضمان مصادر تمويل شفافة ومستقرة، وبحوكمة تشاركية وقابلة للمساءلة. الإجماع البرلماني يُعطي زخماً سياسياً مرحباً به، لكن معيار النجاح الحقيقي سيكون مدى قدرة هذه المبادرة على إحداث تغيير محسوس في حياة الموظفين وفي جودة الخدمات المقدَّمة للمواطنين.
قانون 69.24 يفتح باب الأمل لكنه يضع أمام الفاعلين مسؤولية التحصين القانوني والتنفيذي للمبادرة حتى لا تبقى وعداً بلا أثر ولا رقابة.


