نبض الشارع

جديد الطوبيسات ببنسليمان: بين هاجس التسعيرة وتحدي الجودة

بقلم : بوشعيب حمراوي

لا يزال ملف النقل الحضري بواسطة الحافلات بإقليم بنسليمان يثير نقاشًا واسعًا، في انتظار الإعلان الرسمي عن الشركة التي ستفوز بصفقة التدبير، وهي صفقة طال أمد الحسم فيها، وأصبحت اليوم محط أنظار الساكنة، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على الحياة اليومية والقدرة الشرائية لآلاف المواطنين. وقد أكد مسؤول داخل مؤسسة ارتقاء انهم ينتظرون نتيجة اللجنة المشرفة والتي وعدت بقرب الاعلان عن الشركة الفائزة.

القدرة الشرائية في صلب النقاش

أولى الإشكاليات المطروحة بقوة تتعلق بإمكانية رفع ثمن تذكرة النقل (بنسليمان /المحمدية) من 6 إلى 10 دراهم، وطبعا زيادات في أثمنة باقي الخطوط . وهو المقترح الذي تقدمت به إحدى الشركتين المتنافستين، مبررة ذلك بتحسين جودة الخدمة واعتماد حافلات وتجهيزات حديثة.
في المقابل، تتمسك شركة ثانية بالإبقاء على التسعيرة الحالية، رغم تقديمها عرضًا أقل من حيث مستوى الخدمات.
هذا التباين في العروض وضع اللجنة المكلفة بدراسة الملفات أمام صعوبة حقيقية في الحسم، خاصة في ظل التخوف من أن يتحمل المواطن كلفة تحسين الخدمة، في سياق اجتماعي واقتصادي دقيق.

تقليص عدد الحافلات… حل أم تعقيد؟

من بين السيناريوهات التي تم تداولها للخروج من هذا الإشكال، التوجه نحو تقليص عدد الحافلات المستعملة فعليًا إلى حوالي 32 حافلة فقط، مع الإبقاء على باقي الحافلات من أصل 44 في وضعية احتياط..
وجاء المقترح من اجل الحصول على شركة تقدم الخدمات المطلوبة بدون زيادة في أثمنة التذاكر.
غير أن هذا الخيار يثير مخاوف حقيقية، لما قد يترتب عنه من نقص في الحافلات واكتظاظ للركاب. وتأخر في المواعيد، وضعف في انتظام الرحلات، وهو ما من شأنه الإبقاء على معاناة الركاب، خصوصًا التلاميذ والطلبة والعمال والمرضى، الذين يعتمدون بشكل أساسي على هذا المرفق الحيوي..

أرقام الماضي تطرح أسئلة الحاضر

العودة إلى المعطيات التاريخية تكشف حجم المفارقة؛ إذ إن عدد الحافلات المحدد سنة 2012 كان في حدود 40 حافلة، مع التنصيص في دفتر التحملات على إضافة حافلتين كل سنة. وبالاحتساب الزمني، كان من المفترض أن يتوفر الإقليم اليوم على ما لا يقل عن 66 حافلة، وكانت مخصصة آنذاك لخمس خطوط فقط، بينما يجري اليوم الحديث عن ثمانية خطوط بعد التوسيع، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى ملاءمة تقليص الأسطول مع هذا التوسع.

دعم عمومي يفرض تسعيرة اجتماعية

في هذا السياق، يبرز معطى مالي بالغ الأهمية، يتمثل في أن وزارة الداخلية، التي تكفلت باقتناء الحافلات عبر اعتماد مالي تم إيداعه في حساب المجلس الإقليمي، اعتادت المساهمة بمبلغ 80 درهمًا شهريًا عن كل بطاقة انخراط أو عن كل تلميذ أو طالب مستفيد.
وبناءً على هذا الدعم العمومي الثابت، يصبح من المنطقي، بل ومن الواجب الاجتماعي، الإبقاء على ثمن الانخراط الشهري في حدود 100 درهم فقط لكل خط من خطوط الحافلات، بدل تحميل الأسر أعباء إضافية لا مبرر لها في ظل وجود مساهمة مالية مباشرة من الدولة.

عقدة الولوج إلى دولة  المحمدية

من بين أعقد الملفات المرتبطة بالنقل الحضري ببنسليمان، تظل إشكالية الولوج إلى مدينة المحمدية، وهي مسألة لا ترتبط بالتدبير التقني فقط، بل تخضع لمنطق الترخيص السيادي الذي يعود للسلطات الإقليمية والولائية.
ورغم تداول معلومات حول اتفاقية موقعة بين مؤسسة “ارتقاء” المحدثة بإقليم بنسليمان ومؤسسة النقل “البيضاء”، تسمح لطوبيسات بنسليمان بالوصول إلى محطة القطار بالمحمدية مقابل السماح لطوبيسات شركة “ألزا” بالولوج إلى المنصورية، فإن هذا النوع من الاتفاقيات يظل محل جدل قانوني.
فحسب متابعين للملف، لا يحق لأي مؤسسة تدبير مفوض أن توسع مجال اشتغالها خارج النفوذ الترابي المخول لها، أو أن تمنح حق الاستغلال لشركة أخرى خارج هذا المجال، دون ترخيص صريح من السلطات المختصة.

تجارب سابقة وتحفظات قائمة

التجربة السابقة لسنة 2012 ما تزال حاضرة في الأذهان، حين أدى توسيع مجال اشتغال الطوبيسات (شركة النقل الممتاز ) داخل مدينة المحمدية إلى احتجاجات مهنية لسائقي التاكسيات كبار وصغار. بدعوى تضرر أنماط أخرى من النقل، ما انتهى بتوقيف تنفيذ اتفاقيات مماثلة. ومنها حافلات اقليم بنسليمان من ولوج دولة المحمدية وتحولت قنطرتي وادي النفيفيخ ( بويلاندان) الى ما يشبه منطقة (جوج بغال) بين المغرب والجزائر
وتحولت بعض المحاور، وعلى رأسها قنطرة واد النفيفيخ (بوبلودان)، إلى نقطة عبور شديدة التعقيد، أضفت على التنقل طابعًا أقرب إلى “الحدود غير المعلنة” داخل نفس الجهة.

أسطول جاهز… وانتظار غير مبرر

إلى ذلك، يثار تساؤل ملح حول مآل أسطول الحافلات المتواجد حاليًا لدى الشركة المكلفة بالتجهيز الداخلي، خاصة بعد تأكيد معطيات تفيد بأن أولوية التجهيز مُنحت للمدن التي احتضنت نهائيات كأس إفريقيا، وهو ما يفرض تسريع وتيرة الأشغال حتى لا يبقى إقليم بنسليمان في ذيل الانتظار.
ملف الطوبيسات ببنسليمان لم يعد تقنيًا صرفًا، بل أصبح ملفًا اجتماعيًا بامتياز، تتقاطع فيه جودة الخدمة مع العدالة في التسعيرة، والدعم العمومي مع حق المواطن في نقل عمومي منتظم وميسر.
وأي حسم مرتقب لن يكون ناجحًا ما لم ينطلق من سؤال بسيط: لمن وُجد هذا المرفق؟ ولمن يجب أن يخدم؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كنا ننتظر توفير هذه الحافلات تزامنًا مع الدخول المدرسي، أي في حدود شهر أكتوبر 2025 على أبعد تقدير، غير أننا وجدنا أنفسنا اليوم على مشارف نهاية الموسم الدراسي، وما ترتب عن ذلك من معاناة حقيقية ومشاكل يومية أثقلت كاهل الطلبة والساكنة على حد سواء.
    إن هذه الكلمة المرفوعة إلى السيد العامل ليست سوى تعبير صادق عن معاناة شعب مكلوم، وأملٍ مشروع في تدخل فعّال يُنصف المتضررين. وإذ نناشد السيد العامل، فإننا نرجو أن يَعمل على تفعيل مضامين كلمة السيد وزير الداخلية، الذي التزم من داخل قبة البرلمان بحل مشكل النقل، استجابةً لانتظارات الساكنة ووفاءً لروح المسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى