نبض الشارع

مستشفى بنسليمان الإقليمي إلى متى ؟؟ … بنية مهدِّدة للحياة ووعود مؤجَّلة تبحث عن حلٍّ واقعي

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

تعيش مدينة بنسليمان على وقع مفارقة صحية مقلقة، عنوانها مستشفى إقليمي قائم في موقع إشكالي وبنيات آيلة للسقوط، مقابل وعود متكررة بإعادة التأهيل والتوسعة دون حسم نهائي لمعضلة المكان. فالمستشفى المعروف محليًا بـ“مستشفى الشينوا”، إلى جانب مشروع المركز الطبي النفسي العالق وباقي البنايات الإدارية والسكنية، يمتد على مساحة تقارب ثلاثة هكتارات، غير أن واقع الحال يكشف خطورة متزايدة تهدد سلامة الموظفين والمرتفقين على حد سواء.
وتشير المعاينات الميدانية وشهادات العاملين إلى أن معظم مرافق المستشفى تعاني تشققات واضحة وتدهورًا بنيويًا، فضلاً عن روائح كريهة ناجمة عن اهتراء شبكة الصرف الصحي. الأخطر أن المستشفى شُيِّد فوق منطقة رطبة وعلى مقربة من شعبة مياه (واد)، وسط برك مائية ملوثة وعين مائية تسمى عين الشهرة ، ما يجعل الأرضية غير مستقرة ويُضاعف مخاطر الانهيار، خاصة وأن البناء تم بطرق عشوائية لا تراعي الخصوصيات الجيولوجية للمكان.
أما البناية الجديدة التي كانت مخصَّصة لاحتضان أطباء من تخصصات متعددة، فقد أُغلقت بعد فحص أجرته لجنة تقنية مركزية من وزارة الصحة، خلصت إلى عدم مطابقتها لشروط السلامة للأسباب ذاتها المرتبطة بالموقع والبنية. ونتيجة لذلك، يجد الأطباء أنفسهم اليوم في حالة تزاحم داخل بناية ضيقة أخرى داخل الحرم ذاته، لا تقل هشاشة عن سابقتها، ما ينعكس سلبًا على ظروف العمل وجودة الخدمات المقدَّمة.
وفي الوقت الذي أكدت فيه وزارة الصحة نيتها إعادة تهيئة المستشفى وتوسيعه ليصل إلى طاقة استيعابية في حدود 140 سريرًا، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل يصلح الموقع أصلًا لأي توسعة أو إعادة بناء؟ فالمعطيات التقنية تفيد بأن البناية السفلية الحالية مهددة بالسقوط ولا يمكن البناء فوقها، وحتى خيار الهدم وإعادة التشييد يصطدم بطبيعة أرضية رطبة، مليئة بالبرك المائية، يصعب التكهن بصلابتها على المدى المتوسط والبعيد.
أمام هذا المأزق، طُرحت بدائل، من بينها نقل المشروع إلى أرض المستشفى القديم قرب إعدادية زياد. غير أن هذا المقترح يصطدم بضيق المساحة، إذ لا تتجاوز الهكتار ونصف، في حين تؤكد مندوبية الصحة أن مشروع مستشفى إقليمي بمعايير حديثة يستلزم على الأقل خمسة هكتارات. بالمقابل، تمتلك وزارة الصحة قطعة أرضية استراتيجية قرب حي الصخور تبلغ مساحتها 16 هكتارًا، ظلّت لسنوات موضوع صراعات نقابية وسياسية حول إحداث تجزئة سكنية لفائدة أطر الصحة بالإقليم، ما عطّل توجيهها نحو حلٍّ جذري للمعضلة الصحية.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال ملف آخر جرى الترويج له بكثير من “التطبيل والتهليل”، ويتعلق بإحداث مستشفى جامعي وكلية للطب بالمدينة. مشروع تقلّص لاحقًا إلى كلية للطب وملحقة لمستشفى 20 غشت، قبل أن يتلاشى تمامًا من التداول، تاركًا وراءه قطعة أرضية شاسعة (نحو 100 هكتار) بمنطقة لاسيام. خُصِّصت لهذا الغرض ولا تزال إلى اليوم “عارية على عروشها”، دون كلية طب، ولا مستشفى، ولا كلية متعددة التخصصات، ولا حتى تحريك جاد لملف ظل راكدًا في مدينة تُقدَّم كإحدى مدن المونديال وضمن خمس مدن إيكولوجية مصنفة.
إن واقع مستشفى بنسليمان الإقليمي لم يعد يحتمل الحلول الترقيعية ولا الوعود المؤجَّلة. المطلوب اليوم قرار شجاع مبني على معطيات تقنية وعقلانية، يُنهي الجدل حول الموقع، ويضمن تشييد مؤسسة صحية آمنة تليق بساكنة الإقليم، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والصراعات الهامشية، لأن صحة المواطنين لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى