الحلقة الثالثة عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : ذوو الاحتياجات الخاصة… غائبون أم مُغيَّبون؟
تنشر السلسلة يوميا بجريدة العلم الورقية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي
تقديم السلسلة الرمضانية
رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.
الحلقة الثالثة عشرة
ذوو الاحتياجات الخاصة… غائبون أم مُغيَّبون؟
ليس الغياب دائمًا اختيارًا، أحيانًا يكون إقصاءً صامتًا، وأحيانًا يكون نتيجة عالم لم يُصمَّم للجميع. حين يحلّ رمضان، تتزيّن الشوارع، وتمتلئ المساجد، وتزدحم الفضاءات العامة بالأنشطة والبرامج. لكن في زاوية المشهد، هناك من يراقب من بعيد، لا لأنه لا يريد المشاركة، بل لأنه لا يستطيع. ذوو الاحتياجات الخاصة ليسوا غائبين عن رمضان، بل كثيرًا ما يكونون مُغيَّبين عنه.
الإعاقة ليست في الجسد وحده، بل في البيئة التي لا تُراعي، وفي الذهنيات التي تُهمِل، وفي السياسات التي تؤجِّل. حين لا يجد شخص من ذوي الإعاقة طريقًا مهيّأً إلى المسجد، أو برنامجًا مفهومًا، أو خطابًا شاملًا، فالمشكلة ليست فيه، بل في المجتمع الذي لم يفكّر فيه.
رمضان، شهر الجماعة بامتياز، يفترض أن يكون زمن الإدماج. لكن الواقع يقول إن كثيرًا من المبادرات تُصمَّم دون أن تسأل: هل يمكن للجميع الوصول؟، هل يمكن للجميع الفهم؟، هل يمكن للجميع المشاركة بكرامة؟
نُقيم موائد إفطار، لكننا ننسى الكراسي المتحركة ونغفل عن تواجد السلالم المعيقة، وغياب الولوجيات.ُنظّم دروسًا، لكننا ننسى لغة الإشارة. نُنتج محتوى، لكننا ننسى الإعاقة البصرية والذهنية.وهكذا، يُقصى أناس طيبون دون قصد… لكن النتيجة واحدة.
الأصعب من الإقصاء المادي، هو الإقصاء الرمزي. حين يُختزل الشخص في إعاقته، لا في إنسانيته. حين يُنظر إليه كعبء، لا كشريك. حين تُقدَّم له المساعدة بنبرة شفقة، لا باحترام. ذوو الاحتياجات الخاصة لا يحتاجون إلى نظرات حزن، بل إلى حقوق واضحة.
رمضان عند كثير منهم شهر مضاعف الصعوبة. الصيام مع تحديات صحية، والتنقّل مع غياب التهيئة، والعبادة مع نقص الفهم المجتمعي. ومع ذلك، نادرًا ما يُسألون: كيف تعيشون هذا الشهر؟ ما الذي تحتاجونه فعلًا؟ ما الذي يُؤلمكم أكثر؟.الجواب عندهم غالبًا بسيط: نحتاج أن نُرى، أن نُسمَع، أن نُؤخَذ في الحسبان.
ذوو الاحتياجات الخاصة ليسوا فئة واحدة. فيهم الطفل، والشاب، والكهل من الجنسين. فيهم من يحتاج دعمًا دائمًا، ومن يحتاج فقط تهيئة بسيطة. لكن التعامل معهم غالبًا يكون موحّدًا ومختزلًا، وكأن الاختلاف داخل الاختلاف غير موجود.
رمضان فرصة لتصحيح هذا المسار. لا عبر حملات موسمية، بل عبر تفكير شامل. أن تُصمَّم الفضاءات والخدمات والبرامج من البداية لتكون للجميع. أن يُدرَّب العاملون على التواصل الإنساني، لا على الشفقة. أن يُقدَّم الخطاب الديني بلغة رحيمة، تراعي التنوع، وتُقدّر الجهد.
الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر من يدفع ثمن التغييب. حين يُحرَم الطفل من المشاركة في أجواء رمضان، يشعر أنه خارج الجماعة. وحين يتكرّر هذا الإحساس، يتكوّن جرح انتماء عميق. الإدماج هنا ليس ترفًا، بل ضرورة نفسية وتربوية.
الأسرة بدورها تعاني بصمت. أمّ تُرهقها النظرات، وأبّ يُنهكه غياب الدعم، وإخوة يتعلّمون الدفاع بدل المشاركة. المجتمع الذي لا يساند هذه الأسر، يضيف عبئًا فوق عبء.
رمضان لا يكتمل إن لم يكن شاملًا. لا في الخطاب فقط، بل في الفعل. الشمول ليس شعارًا، بل ممارسة يومية: منحدر صغير يُغيّر حياة، ترجمة بلغة الإشارة تُعيد كرامة،برنامج مبسّط يُشرك عقولًا..
ذوو الاحتياجات الخاصة ليسوا غائبين عن رمضان بإرادتهم.هم موجودون، لكن كثيرًا ما نقف نحن في طريق حضورهم. وحين نُزيل هذا العائق، نكتشف أن رمضان يصبح أوسع، وأعمق، وأقرب إلى روحه.
فالرحمة التي لا تشمل الجميع، ناقصة، والعبادة التي لا ترى الهامش، مبتورة، ورمضان الذي يُقصي، لا يُهذّب كما ينبغي.



