الاسرة و الطفلميساج

الحلقة الرابعة عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : الجمعيات بين العمل الحقيقي و الفيترينا

تنشر السلسلة يوميا بجريدة العلم الورقية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

 

الحلقة الرابعة عشرة
الجمعيات بين العمل الحقيقي و الفيترينا

لم تُحدث الجمعيات لتكون واجهات لأعضائها وجسور للتموقع والربح المالي، ولا وُجد العمل التطوعي ليُختزل في صور وتقارير. في أصل الفكرة، الجمعية مساحة مواطَنة، وجسر ثقة بين المجتمع والحاجة، وفعلٌ جماعي يُكمّل ما تعجز عنه المؤسسات الرسمية. لكن الواقع، خصوصًا في رمضان، يكشف مشهدًا مزدوجًا: عملًا حقيقيًا في صمت، و(فيترينا) عالية الإضاءة.
رمضان موسم تتضاعف فيه المبادرات، وتتكاثر فيه الشعارات، وتزدحم فيه الصفحات بالصور. هذا ليس خطأً في حد ذاته؛ فالتواصل ضروري، والتحفيز مطلوب. الإشكال يبدأ حين تغلب الواجهة على الجوهر، وحين يصبح التوثيق غاية، لا وسيلة، وحين تُقاس قيمة العمل بعدد المنشورات لا بعدد المستفيدين الحقيقيين.
هناك جمعيات تعمل بجدّ، تُخطّط قبل رمضان، تُنسّق، تُشخّص الحاجات، وتشتغل طوال السنة. لا تبحث عن التصفيق، ولا تُكثر الكلام. وهناك، في المقابل، مبادرات موسمية تُولد مع الهلال، وتختفي مع العيد. تُراهن على الأثر السريع، لا على التغيير المستدام. بين النموذجين، يضيع المعنى.
(الفيترينا) ليست دائمًا نية سيئة. أحيانًا هي سوء فهم للعمل التطوعي. حين يُختزل في توزيع سريع، أو في لقطة مُتقَنة، أو في حضور شكلي. لكن النتيجة واحدة: تحويل الفعل الإنساني إلى عرض، والمحتاج إلى خلفية مشهد.
المعضلة الأكبر أن هذا السلوك يُربك الثقة. المتبرّع يتساءل: أين يذهب الدعم؟ والمستفيد يشعر بأنه مُستعمل لا مُحترَم. والمجتمع يحتار بين الإعجاب والشك. هكذا تُستنزف طاقة التطوع، لا بسبب نقص النوايا، بل بسبب غياب الحكامة.
رمضان لا يحتاج جمعيات أكثر، بل عملًا أجود.عمل يُنصت قبل أن يُنفّذ. يُشرك المستفيد بدل أن يُشيّئه. يحفظ الكرامة قبل أن يملأ السلال. العمل الجمعوي الحقيقي يبدأ من التشخيص، لا من الصورة. من معرفة من يحتاج، وكيف، ومتى، ولماذا. ويستمر بالمتابعة، لا بالاكتفاء بالتوزيع. وينتهي بالتقييم والمساءلة، لا بالتهنئة الذاتية.
الشفافية هنا ليست ترفًا. هي شرط أخلاقي. أن تُعلن الجمعية مواردها، ومسارات صرفها، ومعايير اختيار المستفيدين. ليس لأن الناس سيئون، بل لأن الثقة تُبنى بالوضوح. وحين تغيب الشفافية، تزدهر (الفيترينا) وتذبل الرسالة.
ثم هناك مسألة الاستدامة. هل يغيّر العمل الجمعوي واقع الناس أم يُدير الحاجة فقط؟ هل يُساعد على الخروج من الهشاشة أم يُعيد إنتاجها كل موسم؟ رمضان فرصة للإنقاذ العاجل، نعم، لكنه ليس بديلًا عن حلول تراكمية تُعيد الاعتبار للعمل، والتعليم، والتمكين.
لا يعني هذا التقليل من قيمة الإغاثة، بل وضعها في سياقها الصحيح. الإغاثة ضرورة، لكن تحويلها إلى نهاية المطاف يُفرغ العمل الجمعوي من بعده التنموي. بين العاجل والمهمّ، ينبغي ميزان.كما أن احترام كرامة المستفيد خط أحمر. لا تصوير دون إذن، لا نشر لوجوه مُتعبة،لا لغة شفقة
الكرامة ليست تفصيلًا، بل جوهر. رمضان يختبر نوايا الجميع. من يعمل لوجه الله، سيستمر بعده. ومن يعمل لوجه الكاميرا، سيغيب مع آخر فاصل إعلاني.
الإنصاف واجب: كثيرون يعملون بصدق، ويستحقون الدعم والثقة. والنقد هنا ليس تشهيرًا، بل دعوة إلى ترشيد الفعل، وحماية العمل التطوعي من الابتذال، حتى لا نخسر أجمل ما فيه: المعنى. فالجمعيات ليست (فيترينا)، حين تختار الطريق الأصعب: الصمت، التنظيم، المحاسبة. ورمضان ليس مسرحًا. حين نعيده إلى رسالته الأولى: الإنسان قبل الصورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى