جزار الجزائر.. عندما يذبح النظام أحلام شعبه

بقلم: بوشعيب حمراوي
ليست المأساة أن تمتلك دولة كل مقومات الازدهار ثم تعجز عن تحقيق التنمية، بل أن تتحول تلك الثروات إلى وقود لصراعات خارجية، بينما يظل المواطن ينتظر حقه في العيش الكريم. فالجزائر ليست دولة فقيرة، بل من أغنى الدول الإفريقية والعربية من حيث الموارد الطبيعية، ومع ذلك لا يزال ملايين الجزائريين يواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية ومعيشية يراها كثيرون غير منسجمة مع حجم الإمكانات التي تمتلكها البلاد.ولهذا، فإن السؤال الذي يطرحه الجزائريون قبل غيرهم هو: أين تذهب ثروات الجزائر؟
الجزائر… كنز طبيعي استثنائي
تمتلك الجزائر واحدة من أكبر الثروات الطبيعية في العالم، فهي:
من أكبر منتجي ومصدري الغاز الطبيعي و من كبار منتجي النفط.
تمتلك احتياطيات ضخمة من الحديد والفوسفات والزنك والذهب. وتتوفر على مساحات زراعية واسعة. تمتلك أكثر من 1200 كيلومتر من السواحل. وتعد أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة. تتمتع بإمكانات سياحية وصحراوية هائلة. و تمتلك احتياطيات مالية ومداخيل طاقية ضخمة، خاصة في فترات ارتفاع أسعار النفط والغاز.
وكان من المفترض أن تجعل هذه المؤهلات الجزائر من الدول الرائدة اقتصادياً وتنموياً، وأن توفر لمواطنيها خدمات صحية وتعليمية وسكنية واجتماعية تضاهي أفضل الدول. لكن الواقع يطرح صورة مختلفة… ثروات تحت الأرض… وأزمات فوق الأرض
رغم الإمكانات الكبيرة، لا تزال الجزائر تواجه تحديات مرتبطة بالبطالة، وأزمات السكن، وضعف تنويع الاقتصاد، واعتماد كبير على صادرات المحروقات، إضافة إلى شكاوى متكررة من المواطنين بشأن القدرة الشرائية وتوفر بعض المواد الأساسية في فترات مختلفة.
كما يهاجر آلاف الشباب بحثاً عن فرص أفضل، في حين يرى كثير من المراقبين أن الاقتصاد الجزائري لم ينجح بعد في تحويل العائدات النفطية إلى تنمية مستدامة ومتنوعة.
سباق تسلح لا يتوقف
تخصص الجزائر ميزانيات دفاع مرتفعة مقارنة بعدد كبير من الدول الإفريقية والعربية، وقد ارتفعت هذه الميزانيات بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. ويرى العالم كله (إلا الجزائريين طبعا)أن جزءاً كبيراً من الموارد الوطنية يُوجَّه إلى التسلح، في وقت يطالب فيه المواطنون بتعزيز الاستثمار في الصحة والتعليم، والبنية التحتية، والبحث العلمي، وخلق فرص الشغل…ولا شيء من هذا وذاك يتحقق.
ملف البوليساريو… استنزاف مستمر
ومن أكثر الملفات إثارة للجدل، استمرار الدعم الجزائري لجبهة الوهم البوليساريو سياسياً ودبلوماسياً وعسكريا ، مع احتضان آلاف اللقطاء واللاجئين وبعض الصحراويين المغرر بهم داخل خيمات العار بتندوف. كما يتم احتجاز مجموعة من الصحراويين المغاربة الذين يضعونهم في الواجهة للتسول والتوسل..
بينما يؤكد المغرب والعالم النظيف أن الجزائر طرف رئيسي في النزاع، تنفي الجزائر ذلك وتقول إنها تدعم حق تقرير المصير. وفي المقابل، يرى الرأي العام الدولي أن هذا الملف استنزف لعقود جزءاً من الجهد السياسي والدبلوماسي والمالي الجزائري، وأثر على فرص بناء اتحاد مغاربي قوي.
كما يتابع العالم سياسة نهب الثروات والتبذير المالي التي يقودها نظام العسكر. تقديم مساعدات مالية ونفطية و غازية وعقد شراكات مغرية مع الدول التي تتبنى مواقف قريبة من طرح النظام الجزائري بشأن قضية الصحراء. أنظمة مأجورة واعلام مأجور وأشباه حقوقيين ومؤثرين تافهين. … ذباب رقمي عفن مواقع التواصل الاجتماعية كما عفن الاعلام الرسمي الجزائري.
حرية الرأي… بين الطموح والقيود
تثير أوضاع حرية التعبير في الجزائر نقاشاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، إذ تشير تقارير منظمات حقوقية دولية إلى وجود قيود على بعض أشكال التعبير والعمل الإعلامي والسياسي، بينما تؤكد السلطات الجزائرية أنها تطبق القانون وتحافظ على الأمن والاستقرار. علما حرية الإعلام بالجزائر مرتبطة بشرطي الولاء الاعمى النظام و التهجم على المغرب والتسويق لكيان وهمي اسمه البوليساريو يعيش ويتغذى من أموال الجزائريين.. و بات قريب من أن يعلن عن ميلاد دولة جزائرية داخل الجزائر.
ويبقى مطلب توسيع فضاء الحريات السياسية والإعلامية من بين أبرز مطالب عدد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين.
الشعب ليس عدواً لأحد
من الخطأ اختزال الجزائر في نظامها السياسي، فالجزائر بلد عريق وشعبه شعب شقيق تجمعه بالمغاربة روابط التاريخ والدين والجغرافيا والمصير المشترك. ولذلك، فإن النقد يجب أن يوجه إلى السياسات والاختيارات، لا إلى الشعب الجزائري الذي يتطلع، شأنه شأن كل الشعوب، إلى التنمية والازدهار والحرية والكرامة.
الجزار الحقيقي…
ليس الجزار من يرفع السكين فقط، بل من يذبح أحلام شعبه ببطء.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تتحول ثرواتها إلى وقود للصراعات، وأن تصبح أولوياتها الخارجية المبنية على الحقد والكره المجاني أهم من مطالب مواطنيها، وأن يُستثمر المال العام في سباقات التسلح والنزاعات بدل الإنسان والتنمية.
فالنفط والغاز يمكن أن يبنيا اقتصاداً قوياً، لكنهما لا يصنعان وحدهما مستقبلاً مزدهراً. المستقبل تصنعه الحكامة الرشيدة، والمؤسسات القوية، واحترام الحريات، والاستثمار في الإنسان، وجعل المواطن محور السياسات العمومية.
وحين يصبح الشعب هو الأولوية، تتحول الثروة إلى نعمة. أما حين تُقدَّم الصراعات على التنمية، فإن الثروة قد تتحول إلى عبء، ويكون الخاسر الأكبر هو المواطن الذي كان يأمل أن يرى خيرات بلاده تنعكس على حياته اليومية، لا أن تبقى مجرد أرقام في تقارير الطاقة وميزانيات الدولة.



