الصحة و التغذيةنبض الشارع

بئر النصر إقليم بنسليمان: ملف مقايضة أرض تابعة للمياه والغابات يعطل مشروع إعادة الأسر الهشة منذ عشر سنوات

lملف عالق بين وزارتي الداخلية و الفلاحة والوكالة الوطنية للمياه والغابات

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

من داخل جماعة بئر النصر، قندهار الشاوية كما سميتها سابقا في مقالات وتحقيقات كثيرة بعدة جرائد وطنية ، تعد أفقر جماعة ترابية بجهة الدار البيضاء سطات، تتواصل فصول معاناة إنسانية صامتة لعشرات الأسر الهشّة التي لا تزال، إلى اليوم تعيش داخل أكواخ من التراب والتبن ومواد بدائية، في مشهد لا ينسجم مع الحد الأدنى من شروط الكرامة الإنسانية، ولا مع شعارات العدالة المجالية والتنمية القروية.والاسر تعيش في الاكواخ واكثر من نصفها تحولوا إلى لاجئين بمناطق أخرى ينتظرون الفرج من أجل العودة.

أسفله صور للأسر الهشة التي تنتظر انتشالها من الوحل والمعاناة

SONY DSC

أكواخ  تذوب مع أولى زخّات المطر، ومسالك تتحول إلى أوحال وبرك مائية، وبيوت هشة تنجرف جدرانها مع السيول، بينما الأطفال والنساء والشيوخ يواجهون البرد والحر والمرض في صمت. هؤلاء الذين زفت لهم السلطات الإقليمية منذ عشر سنوات، بشرى قرب إعادة إيواهم. حيث حضر أحد العمال السابقين سنة 2016 على رأس وفد كبير، في مناسبة وطنية غالية. وقام بوضع الحجر الأساس لبناء تجزئة سكنية بالقرب منهم. انطلقت حينها عملية التهيئة سنة،لكنها فجأة توقفت. وعلق المشروع ومعه تلك الأسر الهشة.  وُلد بالأمل.. ثم تُرك للنسيان. وقد ركبنا قطار 2026. أكتر من نصف الأسر الهشة لم تعد تقدر على العيش تحت رحمة مياه الأمطار التي تغمر حتى ملابسهم الداخلية أثناء نومهم. كما يعيشون في فصل الصيف تحت رحمة الحرارة المفرطة نذرة المياه. وغياب أدنى شروط الحياة والأمن الغذائي والصحي والاجتماعي…

 

حين تتحول المساطر إلى معاناة

المفارقة المؤلمة في هذا الملف أن مشروع إعادة الإيواء لم يكن مجرد فكرة أو وعد انتخابي، بل مشروع وُضع له حجر أساس رسمي من طرف أحد عمال الإقليم السابقين، ما خلق انتظارات كبيرة لدى الساكنة. غير أن المشروع سرعان ما تعثّر، وتحولت التجزئة المخصصة له إلى فضاء مهجور، تعرضت أزقته وجوانبه للتلف، وجرفت مياه الأمطار إليها الأتربة والأحجار، دون أن ترى الأسر المعنية أي بوادر انفراج.

لا يمكن اختزال مسؤولية هذا التعثر في جهة واحدة، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن المشروع اصطدم بتداخل مسؤوليات عدة أطراف، من بينها وزارة الداخلية بصفتها الوصية على الجماعات الترابية وبرامج إعادة الإيواء، والوكالة الوطنية للمياه والغابات (المندوبية السامية سابقا)، بحكم طبيعة الوعاء العقاري وتصنيفاته، إضافة إلى وزارة الفلاحة في ما يرتبط بتحويل صبغة الأراضي ومساطر إعادة التخصيص.

هذا التداخل، مقرونًا ببطء المساطر وغياب قرار تنسيقي حاسم (سنأتي على ذكر تفاصيله)، حوّل مشروعًا اجتماعيًا ذا طابع استعجالي إلى ملف إداري عالق، يدور بين المراسلات والدراسات، بينما تؤدي الأسر الهشة ثمن هذا الجمود من صحتها واستقرارها وكرامتها. علما أن حوالي نصف تلك الأسر الهشة، اضطرت إلى الرحيل والبحث عن ملجأ آخر في انتظار إخراج هذا المشروع، الذي يفرض البحث والتحقيق وترتيب الجزاءات.

أسفله صور مشروع التجزئة الجماعاتية العالقة منذ عشر سنوات 

مراسلة وزير الفلاحة لتسريع المقايضة العقارية وفك عقدة إعادة الإيواء

رسالة رسمية أخرى من بين عدة رسائل وجّهها رئيس مجلس الجماعة، بتاريخ 14 يونيو 2022، إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، قطاع المياه والغابات، عبر السلم الإداري، في محاولة لتسريع مسطرة المقايضة العقارية التي ظلت تشكل عقدة أساسية أمام إخراج المشروع إلى حيز التنفيذ.

الرسالة، التي تندرج في إطار المراسلات الإدارية المرتبطة بالتنمية المحلية، تسلط الضوء على التأخير الذي تعرفه عملية المعاوضة العقارية المتعلقة بقطعة أرضية تابعة للملك الغابوي، والتي تُعد عنصرًا محوريًا في مسار إعادة إيواء ساكنة مركز الجماعة، خاصة في ظل الأوضاع الاجتماعية الهشة التي تعيشها فئات واسعة من السكان.

وأكد رئيس الجماعة، في مراسلته، أن تسريع هذه المسطرة من شأنه تمكين الجماعة من الشروع في إجراءات التفويت، بما يسمح بإطلاق عملية إعادة الإيواء في أقرب الآجال، تفاديًا لمزيد من الانتظار الذي طال لسنوات، وما يرافقه من معاناة اجتماعية وتراجع في شروط العيش الكريم.

وتعكس هذه الرسالة حجم التعقيدات الإدارية التي تواجهها الجماعات الترابية في تنزيل مشاريعها السكنية، خصوصًا عندما تتداخل الاختصاصات بين عدة قطاعات وزارية، وفي مقدمتها قطاع المياه والغابات، الذي يظل فاعلًا أساسيا في تدبير العقار الغابوي.كما تكشف المراسلة عن حرص المجلس الجماعي على استنفاد كل المساطر القانونية والإدارية المتاحة، عبر مراسلة الوزارة الوصية، في احترام تام للسلم الإداري، أملاً في إيجاد حل عملي يوازن بين حماية الملك الغابوي والاستجابة للحاجيات الاجتماعية الملحة للساكنة.

وبين منطق المحافظة على العقار الغابوي ومتطلبات التنمية المحلية، تبقى رسالة 14 يونيو 2022 وثيقة إدارية ذات دلالة قوية، تعكس إرادة محلية في الدفع بمشروع إعادة الإيواء إلى الأمام، وتطرح في الآن ذاته سؤال النجاعة والسرعة في تفاعل القطاعات الحكومية مع انتظارات الساكنة والجماعات الترابية.

 

 

مراسلة رسمية تكشف تعثر مشروع إعادة الإيواء منذ 2017

كشفت مراسلة رسمية صادرة عن السيد بوعزة الدرويش رئيس مجلس جماعة بئر النصر بإقليم بنسليمان، وموجهة إلى عامل الإقليم، بتاريخ 17  أكتوبر 2023، عن تعثر مشروع إعادة إيواء ساكنة مركز الجماعة، رغم مرور أزيد من ست سنوات على انطلاق مساطر تهيئته.

الرسالة أوضحت أن الجماعة وافقت منذ سنة 2017 على إنجاز تجزئة جماعية لإعادة إيواء الساكنة القاطنة بمنازل هشة مبنية بالتراب، في إطار تأهيل مركز بئر النصر، غير أن المشروع ظل عالقًا بسبب عدم استكمال مسطرة المفوضة العقارية مع المندوبية السامية للمياه والغابات، رغم مراسلات متعددة وتدخلات إدارية لاحقة.

وحسب ذات الوثيقة، فقد تم سنة 2019 إرسال الملف من طرف المصالح الجهوية المعنية إلى وزارة الداخلية من أجل التأشير على مشروع مرسوم يجيز إتمام المفوضة العقارية، كما وُجهت مراسلة رسمية في الموضوع إلى عامل الإقليم، غير أن المرسوم لم يصدر إلى حدود اليوم، ما حال دون تحفيظ العقار وانطلاق المشروع.

وأشارت الرسالة إلى أن الوضعية السكنية للساكنة المعنية تزداد خطورة، خاصة خلال فترات التساقطات المطرية، حيث تعرف عدد من المنازل انهيارات متكررة، ما يرفع منسوب القلق ويُنذر بإمكانية وقوع كوارث إنسانية في حال استمرار التأخير.

وطالبت جماعة بئر النصر بتدخل عاجل من عامل الإقليم لدى الجهات المختصة من أجل تسريع مسطرة المفوضة العقارية، باعتبار أن التجزئة الجماعية أصبحت شبه جاهزة، ولم يتبق سوى استكمال بعض الأشغال التقنية، وعلى رأسها الربط بالكهرباء، لإنهاء معاناة ساكنة تنتظر حقها في السكن اللائق منذ سنوات.

مقايضة عقارية عالقة منذ 2019 تُؤخر إعادة إيواء ساكنة مركز جماعة بئر النصر

ما تزال مسطرة المقايضة العقارية بين جماعة بئر النصر والوكالة الوطنية للمياه والغابات تراوح مكانها منذ سنة 2019، رغم ارتباطها المباشر بمشروع اجتماعي يهم إعادة إيواء ساكنة مركز الجماعة في ظروف تحفظ كرامتهم وتستجيب لحاجياتهم السكنية.

وحسب مراسلة رسمية تذكيرية (رسائل أخرى سابقة منذ سنة 2017 )، وجهها رئيس مجلس جماعة بئر النصر إلى المدير العام للوكالة الوطنية للمياه والغابات (المنودبية السامية سابقا)، بتاريخ رابع مارس 2025،  فإن الجماعة سبق أن تقدمت بطلب للموافقة على عملية مقايضة عقارية تهم ملكًا غابويًا مقابل قطعة أرض في ملكية الجماعة، وذلك بهدف إنجاز تجزئة جماعية مخصصة لإعادة الإيواء. غير أن هذه المسطرة الإدارية ظلت عالقة دون حسم إلى حدود اليوم.

وتكتسي هذه المقايضة أهمية خاصة، لكون مشروع التجزئة الجماعية بات قريبًا من الجاهزية، ما يجعل تسريع الإجراءات الإدارية أمرًا ملحًا حتى تتمكن الجماعة من تحفيظ العقار والشروع الفعلي في تنزيل المشروع على أرض الواقع.

وتعيد هذه الوضعية طرح إشكالية بطء المساطر الإدارية وتعقيدها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع ذات طابع اجتماعي وإنساني، تستدعي تفاعلاً أسرع وتنسيقًا أكبر بين مختلف المتدخلين، تفاديًا لمزيد من التأخير الذي ينعكس سلبًا على الساكنة المستهدفة.

 

 بصمة ممكنة من عامل الإقليم الحالي .. وعدالة منتظرة

اليوم، ومع وجود عامل الإقليم السيد لحسن بوكوتة، تعود آمال الساكنة إلى الواجهة، خاصة وأن بصمته الإنسانية لا تزال حاضرة في الذاكرة المحلية، حين أشرف على إعادة إيواء 12 أسرة كانت تعيش وسط مدينة بنسليمان داخل أكواخ ومرحاض عمومي متعفن، من بينهم مكفوفون ومقعدون وأسر في وضعية هشاشة قصوى، قبل أن تُمنح لهم شقق لائقة للسكن.

فهل تكون بئر النصر محطة لبصمة ثانية، داخل تراب جماعة تُعد من أفقر جماعات جهة الدار البيضاء/ سطات؟ وهل يتحول الانتظار الطويل إلى قرار شجاع يُنهي سنوات من المعاناة؟

 

جماعة تتآكل ديمغرافيًا واقتصاديًا

بئر النصر ليست فقط عنوانًا للهشاشة السكنية، بل نموذجًا لتراجع ترابي مقلق. فعدد سكانها يسير عكس منطق التخطيط والتوقعات، بعدما انتقل من حوالي 9000 نسمة إلى ما يقارب 4300 نسمة، في نزيف هجرة مستمر فرضته العزلة، وبعد الجماعة عن عاصمة الإقليم، وتدهور الوضع المعيشي، والطريق الوحيدة التي تربطها بمحيطها.

تعيش الجماعة على موارد سنوية محدودة، تأتيها من الضرائب، مدخول سنوي لا يتجاوز حوالي 460 مليون سنتيم، يُصرف أكثر من نصفه في أجور الموظفين والعمال القارين والموسميين، ما يحدّ من قدرتها على التدخل في ملفات اجتماعية كبرى من حجم التهيئة والبنية التحتية وإعادة الإيواء. سوق أسبوعي (السبت)، في حاجة إلى إعادة التهيئة، أو حتى تغيير مكانه كما يفكر المجلس الجماعي. علما أنه يحمل شعار الكساد، الذي يعطي المنطقة.

ومع ذلك، لا يمكن القفز على الجهود التي بذلها مجلس الجماعة، رغم شحّ الإمكانيات، بدعم من بعض الجهات. فالجماعة لديها سبع حافلات للنقل المدرسي (سبع حافلات)، وأربع سيارات للإسعاف، و سيارة نقل الأموات)،وتمكن من مالها الخاص من اقتناء حفارة هيدروليكية كبيرة (بوكلان). من مالية الجماعة لتحويل مياه الأمطار وتيسير المرور بمسالك الجماعة المتشعبة.

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى